رقم قياسي: مقتل 129 من العاملين في الصحافة عام 2025؛ إسرائيل مسؤولة عن ثلثي الوفيات
- English
- العربية
In This Report
أهم النتائج
- قُتل عدد أكبر من الصحفيين/ات والعاملين/ات في الإعلام عام 2025 مقارنة بأي عام آخر منذ أن بدأت لجنة حماية الصحفيين (CPJ) بجمع البيانات قبل أكثر من ثلاثة عقود.
- هذا العام هو الثاني على التوالي الذي يُسجل فيه رقم قياسي سنوي في وفيات الصحفيين/ات.
- إسرائيل كانت مسؤولة عن ثلثي عمليات قتل الصحفيين/ات في عامي 2025 و2024.
- قوات الدفاع الإسرائيلية (IDF) ارتكبت أكبر عدد من عمليات القتل المستهدفة للصحفيين/ات مقارنة بأي جيش حكومي آخر منذ أن بدأت اللجنة توثيق هذه الحالات عام 1992.
- عمليات قتل الصحفيين/ات باستخدام الطائرات المسيّرة في تزايد: فقد ارتفعت من حالتين في 2023 — أول عام وثّقت فيه CPJ مثل هذه الحوادث — إلى 39 حالة في 2025.
- قُتل ما لا يقل عن 104 من أصل 129 صحفيًا وصحفية وعاملًا في الإعلام خلال النزاعات في 2025. ومع أن أعداد الصحفيين/ات القتلى في أوكرانيا والسودان ارتفعت، فإن الغالبية كانوا فلسطينيين قُتلوا على يد إسرائيل.
- لم تُجرَ سوى عدد قليل جدًا من التحقيقات الشفافة في حالات القتل المستهدف التي وثقتها CPJ عام 2025، ولم يُحاسب أي شخص في أي من هذه القضايا.
المقدمة
في سياق تصاعد النزاعات المسلحة عالميًا إلى مستويات غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، بلغ عدد الصحفيين/ات والعاملين في مجال الإعلام الذين قُتلوا عام 2025 أعلى مستوى مسجّل، ويرجع ذلك بصورة رئيسية إلى أفعال حكومة واحدة. فقد كانت إسرائيل مسؤولة عن ثلثي جميع عمليات قتل الصحفيين/ات والعاملين في مجال الإعلام خلال هذا العام، ما رفع العدد الإجمالي إلى 129 حالة وفاة — وهو أعلى رقم تسجله لجنة حماية الصحفيين منذ بدء التوثيق قبل أكثر من ثلاثة عقود.
يمثل هذا العام الثاني على التوالي الذي تُسجَّل فيه أرقام قياسية في وفيات الصحفيين/ات، في ظل استمرار الاستهداف غير المسبوق للصحفيين/ات والعاملين في مجال الإعلام من قبل إسرائيل. وكان أكثر من 60% من أصل 86 صحفيًا/ة قُتلوا بنيران إسرائيلية عام 2025 فلسطينيين يغطون الأحداث من قطاع غزة، حيث تتفق منظمات حقوق الإنسان وخبراء الأمم المتحدة على أن إبادة جماعية جارية هناك.
وقد وقعت أكثر من ثلاثة أرباع وفيات الصحفيين/ات في عام 2025 في سياقات نزاع مسلح. وبينما ارتفع عدد القتلى إلى أربع حالات في أوكرانيا وتسع في السودان، تظل هذه الأرقام منخفضة مقارنة بعدد الصحفيين/ات الذين قُتلوا على يد إسرائيل.
ويرتبط الارتفاع في عدد وفيات الصحفيين/ات عالميًا بثقافة راسخة من الإفلات من العقاب عن الهجمات ضد الصحافة؛ إذ لم تُجرَ تحقيقات شفافة إلا في حالات محدودة، في 47 حالة* من حالات القتل المتعمد التي وثّقتها اللجنة في عام 2025 (المصنفة على أنها “قتل متعمّد (Murder)” وفقًا لمنهجية لجنة حماية الصحفيين المعتمدة منذ سنوات طويلة) — وهو أعلى عدد من الصحفيين/ات الذين قُتلوا عمدًا بسبب عملهم خلال العقد الماضي — ولم تتم مساءلة أي شخص في أي من هذه القضايا. وتشكل هذه العمليات انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، الذي ينص على أن الصحفيين مدنيون ولا يجوز استهدافهم عمدًا تحت أي ظرف.
إن استمرار فشل القيادات الحكومية في حماية الصحافة أو محاسبة من يهاجمونها يمهّد أيضًا الطريق لمزيد من عمليات القتل، بما في ذلك في دول لا تشهد نزاعًا مسلحًا. فقد قُتل صحفيون في المكسيك والهند والفلبين عام 2025، وهي دول لم تتمكن على الدوام من ضمان تحقيق العدالة في القتل المتعمّد للصحفيين. ودعت لجنة حماية الصحفيين إلى إجراء إصلاحات جذرية في طرق التحقيق التي تعتمدها الحكومات في القتل المتعمّد للصحفيين، بما في ذلك إنشاء فريق تحقيق دولي وفرض عقوبات محددة الهدف على المسؤولين.
ويعكس هذا التصاعد في عمليات القتل تراجعًا أوسع في حرية الصحافة وسلامة الصحفيين عالميًا، حيث سُجن عدد شبه قياسي من الصحفيين عام 2025، وتعرّضوا لحملات تشهير وملاحقات قانونية تهدف إلى تجريم العمل الصحفي، إلى جانب تصاعد الهجمات الرقمية والجسدية، في ظل تصاعد الخطاب العدائي تجاه الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، حتى في الدول التي يُفترض أنها ديمقراطية.
وقالت جودي جينسبيرغ، الرئيسة التنفيذية للجنة حماية الصحفيين: “يُقتل الصحفيون بأعداد قياسية في وقت أصبحت فيه الحاجة إلى المعلومات الموثوقة أكثر إلحاحًا من أي وقتٍ مضى. إن الهجمات على وسائل الإعلام تُعد مؤشرًا مبكرًا على تراجع أوسع في الحريات الأساسية. هناك حاجة ملحّة لاتخاذ تدابير فعالة لمنع قتل الصحفيين وضمان محاسبة المسؤولين عنها. فعندما يُقتل الصحفيون بسبب عملهم، فإن ذلك يقوّض حق الجمهور في المعرفة ويعرّض الجميع للخطر.”
تعتمد لجنة حماية الصحفيين في تسجيل أي وفاة في قاعدة بياناتها على توفر أسباب معقولة للاعتقاد بأن الصحفي قُتل أو قد يكون قُتل بسبب عمله الصحفي، سواء كان ذلك عن طريق الخطأ أثناء تغطية نزاع مسلح أو مهمة خطرة، أو عمدًا نتيجة لممارسته الصحافة. ويكمن دور اللجنة في ضمان تسجيل أسماء جميع الصحفيين/ات والعاملين في المجال الإعلامي الذين قُتلوا بسبب عملهم، وتوثيق حالاتهم بدقة والتحقيق فيها بشكل شامل، بحيث تبقى هذه المعلومات متاحة لمواجهة أي محاولات لمحوها أو إنكارها أو توظيفها سياسيًا. للاطلاع على منهجيتنا هنا.
إسرائيل فوق ما يُعرف بالوضع الطبيعي الجديد للحروب
يشهد العالم حاليًا أعلى عدد من النزاعات المسلحة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويشير الباحثون إلى أن هذا يشكّل تحولًا هيكليًا، إذ أصبح العالم أكثر عنفًا وتشرذمًا مقارنة بعقد مضى. ويزيد هذا من المخاطر التي يواجهها الصحفيون، سواء بسبب الأخطار المتأصلة في تغطية النزاعات، أو لأن الصحفيين/ات باتوا مستهدفين عمدًا بشكل متزايد.

في السودان، قُتل تسعة صحفيين وعاملين إعلاميين عام 2025، بزيادة عن ست حالات في 2024 وواحدة في 2023، مع دخول الحرب الأهلية العنيفة في البلاد عامها الثالث. وقد قُتل عشرات الآلاف من الأشخاص، ونزح الملايين نتيجة تقدم قوات الدعم السريع شبه العسكرية على حساب قوات الجيش السوداني. ومن بين الصحفيين القتلى، تم إعدام مدير وكالة السودان للأنباء تاج السر أحمد سليمان على يد قوات الدعم السريع في نوفمبر/تشرين ثاني، مع شقيقه في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور.
يضطر الصحفيون في السودان إلى العمل في ظروف مرعبة: منذ اندلاع الحرب، وثّقت لجنة حماية الصحفيين سلسلة من الانتهاكات، نُسب معظمها إلى قوات الدعم السريع. فقد قُتل ما لا يقل عن 16 صحفيًا وعاملًا في مجال الإعلام، وتعرّضت الصحفيات للاغتصاب، وتحولت مقار وسائل الإعلام إلى مراكز احتجاز، وتم الاستيلاء على المنازل، كما خُطف صحفيون واحتُجزوا للحصول على فدية. وفي تجاهل صارخ لاحتمال المحاسبة، قام مرتكبوا العديد من هذه الانتهاكات بتصويرها ونشرها بأنفسهم.
في أوكرانيا، قُتل أربعة صحفيين/ات على يد طائرات روسية مسيّرة، وهو أعلى عدد سنوي من وفيات الصحفيين في الحرب منذ مقتل 15 صحفيًا عام 2022. (انظر/ي القسم: “الطائرات المسيّرة — أداة جديدة”). ومن بين القتلى الصحفيان الأوكرانيين أولينا حراموفا ويفين كارمازين، اللذان تعرّضا للهجوم أثناء تغطيتهما للأحداث لصالح القناة الإعلامية الدولية الممولة من الدولة الأوكرانية “فريدوم” في كراماتورسك، بمنطقة دونيتسك الشرقية. كما قُتل المصور الصحفي الفرنسي أنطوني لاليكان بضربة مستهدفة من طائرة روسية مسيّرة من نوع “المنظور الشخصي” (FPV) في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2025 أثناء تغطيته للأحداث في دونيتسك.

في ظل تصاعد النزاعات حول العالم، يُعتبر تجاهل إسرائيل لحياة الصحفيين — والقوانين الدولية المخصصة لحمايتهم — أمرًا غير مسبوق. فقد قتلت إسرائيل الآن عددًا من الصحفيين أكثر من أي حكومة أخرى منذ أن بدأت لجنة حماية الصحفيين بتوثيق هذه البيانات عام 1992، ما يجعل حرب إسرائيل وغزة (التي تشمل القتل الجماعي في غزة وكذلك الهجمات المميتة في لبنان واليمن وإيران) الأعنف على الإطلاق على الصحفيين. وقد وقعت ثلاث من هذه الوفيات، بما في ذلك جريمة قتل متعمّدة واحدة، بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
بينما ينطوي العمل الصحفي في مناطق الحرب على مخاطر جوهرية، إلا أن إسرائيل غيّرت المعايير من خلال استهدافها المباشر للصحفيين عمدًا وبشكل غير قانوني. ففي عام 2025، وثّقت لجنة حماية الصحفيين 47 حالة* لصحفيين قُتلوا عمدًا بسبب عملهم، وكانت إسرائيل مسؤولة عن 81% من هذه الحالات. وقد يكون العدد الإجمالي للقتل المتعمد أعلى بكثير، ولكن بسبب القيود الشديدة المفروضة على غزة، بما في ذلك حظر وصول الصحافة الأجنبية المستقلة، وتدمير البنية التحتية للاتصالات، والنزوح الجماعي، والخسائر الواسعة في الأرواح، يصعب التحقيق في ظروف كل وفاة. ومع تدمير الكثير من الأدلة المعاصرة، قد لا يُعرف أبدًا العدد الحقيقي للصحفيين الفلسطينيين في غزة الذين استهدفتهم إسرائيل عمدًا.
يُعدّ استهداف وقتل الصحفيين عمدًا من قِبل أي جهة عسكرية، مُلزمة بحماية المدنيين بموجب القانون الدولي، جريمة حرب. وقد دعت لجنة حماية الصحفيين السلطات الدولية إلى ضمان إجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة في جميع حالات استهداف الصحفيين باعتبارها جرائم حرب، ونظرًا لتردد إسرائيل المُستمر في التحقيق في الجرائم التي يرتكبها جيشها ومقاضاة مرتكبيها، يجب محاسبة الجناة، بدءًا من الأفراد في وحدات الجيش الإسرائيلي وصولًا إلى أعلى مستويات القيادة.
ملاحظة حول المنهجية:
يُعرف الاستهداف المتعمد للصحفي بسبب عمله على أنه “قتل متعمّد (Murder)” وفقًا لمنهجية لجنة حماية الصحفيين المعتمدة منذ سنوات طويلة. ولا يعني هذا التصنيف أن أيًا من الوفيات الأخرى المسجلة في قاعدة بياناتنا تُعتبر قانونية، بل يشير إلى أن اللجنة لم تتمكن من تحديد ما إذا كان هذا الفرد قد قُتل تحديدًا بسبب عمله الصحفي. وبموجب القانون الدولي الإنساني، هناك العديد من أنواع جرائم الحرب الأخرى التي يمكن ارتكابها ضد المدنيين تتجاوز الاستهداف المباشر، بما في ذلك الهجمات غير المتناسبة أو العشوائية.

وثّقت لجنة حماية الصحفيين حالاتٍ استهدفت فيها إسرائيل صحفيين في غزة، كانوا قد نشروا تقارير مطوّلة عن جرائم حرب إسرائيلية واضحة، كالتجويع والهجمات على المستشفيات. وباستخدام هذا الأسلوب، ضاعفت القوات الإسرائيلية انتهاكاتها للقانون الدولي، وأسكتت في الوقت نفسه التقارير شديدة الأهمية على أرض الواقع.
من بين الصحفيين الذين استهدفتهم إسرائيل، كان حسام شبات، مراسل فلسطيني يبلغ من العمر 23 عامًا يعمل لدى قناة الجزيرة المباشر في قطر ووسيلة Drop Site News الأمريكية، والذي قُتل في 24 مارس/آذار 2025 نتيجة ضربة إسرائيلية على سيارته بالقرب من المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا شمال قطاع غزة. وكان شبات متوجهًا إلى المستشفى عندما استهدفته طائرة مسيّرة إسرائيلية بشكل مباشر. ويُعد شبات أحد أبرز الصحفيين الذين بقوا في شمال غزة لتغطية هجوم إسرائيل على القطاع المحاصر. واتهمته إسرائيل بكونه قناصًا تابعًا لحركة حماس دون تقديم أي دليل موثوق.

حتى هذه اللحظة وجدت تقارير لجنة حماية الصحفيين أنه لم يتم مساءلة أي شخص عن أي حالة قتل متعمد لصحفي من قبل إسرائيل منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أو خلال الـ 22 عامًا السابقة. ويشكّل استمرار غياب العدالة لصحفيين قُتلوا عمدًا تهديدًا كبيرًا لحرية الصحافة. فبعد أكثر من عقد من إعلان الأمم المتحدة اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم ضد الصحفيين — وأكثر من 30 عامًا منذ أن بدأت لجنة حماية الصحفيين بتوثيق هذا القتل — ما تزال 80% من عمليات الاستهداف والقتل هذه على مستوى العالم دون حل.
التشهير القاتل
يُعدّ توجيه ادعاءات لا أساس لها من الصحة ضد الصحفيين، تتهمهم بارتكاب أنشطة إجرامية، سمةً بارزةً للهجمات على الصحافة في السنوات الأخيرة. ويتجلى هذا التوجه في ارتفاع أعداد الصحفيين المحتجزين بسبب عملهم، وفي استخدام مثل هذه الادعاءات لتبرير قتلهم. وقد عمدت إسرائيل، على وجه الخصوص، مرارًا إلى قتل صحفيين، ثم زعمت لاحقًا — وفي بعض الحالات بشكل استباقي — أنهم مسلحون أو ينتمون إلى جماعات مسلحة، من دون تقديم أي دليل موثوق يدعم هذه المزاعم.
أوضح مثال موثق لهذا النمط هو استهداف الصحفي أنس الشريف من قناة الجزيرة، الذي حذّر علنًا من أن حياته مُعرضة للخطر، وذلك بعد حملات تشويه متكررة وغير مثبتة من قبل إسرائيل. وبعد سنوات من التهديدات، قُتل الشريف عمدًا في 10 أغسطس/آب 2025، مع ثلاثة صحفيين آخرين يعملون في قناة الجزيرة واثنين من المستقلين الذين تم استهدافهم معه في ضربة على خيمة كانت تضم الصحفيين.



استمر هذا النمط في الهجوم الإسرائيلي على مستشفى ناصر في غزة في 25 أغسطس/آب، حيث كان بين القتلى خمسة صحفيين من بين ما لا يقل عن 20 قتيلًا آخرين في ضربة مزدوجة (“double-tap”) تضمنت عدة غارات جوية إسرائيلية. أظهرت تحقيقات وكالة رويترز أن الهدف كان كاميرا صحفي تم وضعها هناك لعدة أشهر، بمعرفة الجيش الإسرائيلي، لتوفير بث مباشر لرويترز. وقد ادعت إسرائيل أنها كانت تستهدف كاميرا لحركة حماس تم تركيبها على سلم المستشفى. ومن بين القتلى كانت المصورة الصحفية الفلسطينية المستقلة مريم أبو دقة، التي كانت تساهم في العمل مع وكالة أسوشيتد برس، وحسام المصري، المتعاقد مع رويترز.
في ثاني أشرس هجوم وثّقته لجنة حماية الصحفيين عالميًا، شنت القوات الإسرائيلية عدة غارات جوية على مكتبين صحفيين في اليمن، مما أسفر عن مقتل 31 صحفيًا وعاملًا إعلاميًا. وادعت إسرائيل أنها استهدفت “أهدافًا عسكرية”، بما في ذلك “إدارة العلاقات العامة التابعة للحوثيين”. وخلال الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إيران في يونيو/حزيران، قتلت إسرائيل صحفيين اثنين وعاملًا إعلاميًا في غارات منفصلة، قائلة إن أهدافها كانت مواقع عسكرية تعمل “تحت ستار النشاط المدني”.
الطائرات المسيّرة: أداة جديدة لقتل الصحفيين
من المؤشرات التحذيرية الواضحة في أرقام عام 2025 ارتفاع عدد الصحفيين الذين قُتلوا بواسطة الطائرات المسيّرة (الدرون)، وهي طائرات بدون طيار أو أجهزة طائرة صغيرة يتم التحكم فيها عن بعد، ولديها القدرة على تحديد الأهداف بصريًا.
فقد أظهرت بيانات لجنة حماية الصحفيين ارتفاعًا حادًا في حالات القتل المشتبه بها والموثقة لأفراد الصحافة، من حالتين فقط في عام 2023 — وهو العام الأول الذي وثقت فيه اللجنة مثل هذه الحوادث — إلى 39 حالة في عام 2025. وأكدت اللجنة أو رجّحت تورط طائرات عسكرية مسيّرة في 33 من هذه الحوادث.
ويعكس ذلك نمطًا عالميًا أوسع: فقد ارتفعت الهجمات بالطائرات المسيّرة بنسبة تزيد عن 4,000% بن عام 2020 إلى عام 2024، وفقاً لمركز المدنيين في النزاعات الذي يتخذ من الولايات المتحدة مقراً له، والذي أشار إلى الاستخدام المتزايد د للطائرات المسيّرة الصغيرة منخفضة التكلفة — “طائرات بدون طيار صغيرة الحجم توفّر رؤية من منظور الشخص الأول” — والتي يمكن استخدامها لمرة واحدة “لشن هجمات غير قانونية على المدنيين ونشر الرعب”.
من بين 39 حالة وفاة ناجمة عن طائرات مسيّرة وثقتها لجنة حماية الصحفيين في عام 2025، كان 28 منها على يد الجيش الإسرائيلي في غزة؛ وخمسة على يد قوات الدعم السريع شبه العسكرية السودانية في السودان؛ وأربعة على يد روسيا في أوكرانيا؛ وواحدة على يد قوات الحوثيين في اليمن؛ وواحدة على يد غارة تركية مشتبه بها في العراق.
في غزة، أسفر هجوم إسرائيلي بطائرة مسيّرة في 5 يونيو/حزيران على ساحة مستشفى الأهلي المعمداني في وسط غزة عن مقتل المحرر الصحفي سليمان حجاج ومصور الفيديو إسماعيل بدح من قناة فلسطين اليوم. ووصفت القناة عمليات القتل هذه بأنها “جريمة حرب مزدوجة” نتيجة “الاستهداف المباشر” لصحفييها ومستشفى، وكلاهما محمي بموجب القانون الدولي. كما أصيب المصور أحمد قلجة من قناة العربي إصابة خطيرة في الهجوم وتوفي لاحقًا في 6 يونيو/حزيران. وقد وثقت منظمات حقوق الإنسان استخدام إسرائيل للطائرات المسيّرة لقتل المدنيين في غزة منذ الهجوم الإسرائيلي المعروف باسم عملية الرصاص المصبوب في ديسمبر/كانون الأول 2008، وفقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش.

منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في العام 2022، تم استخدام الطائرات المسيّرة من قبل كلا الطرفين للهجمات والمراقبة، ولكن في عام 2025، كثّفت روسيا حربها باستخدام الطائرات المسيّرة، مستهدفة المدنيين في أوكرانيا بشكل متكرر، بما في ذلك الصحفيون. وقد قُتل جميع الصحفيين الأربعة في أوكرانيا في 2025 بواسطة طائرات روسية مسيّرة، وهي السنة الأولى التي سجّلت فيها لجنة حماية الصحفيين قتلى من الصحفيين بواسطة الطائرات المسيّرة في حرب روسيا وأوكرانيا، وأيضًا أعلى عدد وفيات صحفيين في مناطق الحرب منذ 2022. وقد أصبحت الطائرات المسيّرة قصيرة المدى أخطر الأسلحة المستخدمة ضد المدنيين في أوكرانيا، وفقًا لبعثة الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان في أوكرانيا.
في سوريا والعراق، وتحديدًا في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا التي يقودها الأكراد في شمال سوريا وإقليم كردستان شبه المستقل في العراق، تم استخدام الطائرات المسيّرة التركية في حملات أنقرة المستمرة ضد قوات سوريا الديمقراطية وحزب العمال الكردستاني (PKK). تتحمل تركيا مسؤولية 10% من إجمالي الصحفيين الذين قُتلوا بواسطة الطائرات المسيّرة خلال السنوات الثلاث الماضية، وفقًا لتوثيق لجنة حماية الصحفيين، حيث وقعت معظم حالات القتل في عام 2024. وقد أدت الإخفاقات المتكررة — أو الرفض المتعمد — في التمييز بين الصحفيين، وهم مدنيون، والمقاتلين إلى مقتل وإصابة عدة إعلاميين منذ عام 2023.

في السودان، وسط الصراع المستمر بين الحكومة وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، قُتل ما لا يقل عن خمسة صحفيين سودانيين بواسطة طائرات مسيّرة تُشغّلها قوات الدعم السريع في عام 2025. ففي مارس/آذار من ذلك العام، استُهدِف ثلاثة صحفيين وقتلوا في هجوم واحد بطائرة مسيّرة. وقال براين كاستنر، رئيس قسم أبحاث الأزمات في منظمة العفو الدولية، للجنة حماية الصحفيين: «تمتلك قوات الدعم السريع القدرة على تحديد أهدافها بدقة وتنفيذ ضربات دقيقة باستخدام الطائرات المسيّرة».
في اليمن، وسّع الحوثيون قدراتهم على استخدام الطائرات المسيّرة بشكل كبير، حيث نشروا هذه الطائرات داخل اليمن وعبر الحدود، بما في ذلك لتنفيذ هجمات دقيقة ضد شخصيات سياسية وعسكرية — مع عواقب قاتلة على الصحفيين. ففي أبريل 2025، أسفر هجوم بطائرة مسيّرة حوثية عن مقتل ثلاثة جنود حكوميين، بالإضافة إلى الصحفي والمخرج اليمني مصعب الحطامي، وإصابة شقيقه المصور سهيل الحطامي أثناء تصويرهما بالقرب من خطوط التماس بين قوات الحوثي وقوات موالية للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
الخطر من العصابات الإجرامية والسياسات الفاسدة والدول الاستبدادية
لا يواجه الصحفيون الخطر فقط عند تغطيتهم الحروب. فقد قُتل صحفيون في بنغلاديش وكولومبيا وغواتيمالا وهندوراس والهند والمكسيك ونيبال وبيرو والفلبين وباكستان والسعودية، مما يعكس نمطًا سائدًا في الدول التي تكون فيها سيادة القانون ضعيفة، وتتمتع الفصائل الإجرامية بحرية التصرف، ويمارس القادة السياسيون سلطتهم دون رقابة.
في بعض هذه البلدان، أصبحت عمليات القتل هذه أمرًا شائعًا. ففي كل عام، على مدى السنوات العشر الماضية، قُتل على الأقل صحفي واحد في كل من المكسيك والهند. فيما قُتل صحفيٌ واحد على الأقل كل عام، على مدى السنوات الخمس الماضية، في بنغلاديش وكولومبيا، وعلى يد إسرائيل كذلك.

في المكسيك، قُتل ستة صحفيين على الأقل عام 2025، مقارنةً بخمسة في عام 2024، واثنين في عام 2023، ولا تزال جميعها دون حل، ما يُؤكد استمرار نمطٍ طويل الأمد يتمثل في إفلات قتلة الصحفيين من العقاب وعدم اكتشافهم، وذلك بسبب النفوذ الإجرامي القوي على الشرطة والنشاط السياسي وانتشار الفساد. وقد أثبتت آلية الحماية الفيدرالية التي أُنشئت لمعالجة ارتفاع معدل قتل الصحفيين عدم فعاليتها إلى حد كبير: فعلى الرغم من خضوعه للحماية الفيدرالية منذ عام 2014 بسبب تهديدات تتعلق بعمله الصحفي، قُتل كاليتانو دي خيسوس غيريرو، نائب رئيس تحرير موقع إلكتروني يُغطي الجريمة في ولاية مكسيكو، رميًا بالرصاص في يناير/كانون الثاني 2025، ولم يتم التعرف على قاتليه حتى الآن.
في الفلبين، التي لديها أيضًا تاريخ طويل من العنف ضد الصحفيين، قُتل ثلاثة صحفيين رميًا بالرصاص في عام 2025، بينهم الناشر المخضرم خوان دايانغ، ولم تسفر سوى حالة واحدة عن اعتقال.

تعرض العديد من الصحفيين لهجمات وحشية بسبب تقاريرهم عن الفساد والجريمة المنظمة: فقد تعرض الصحفي البنغلاديشي أسد الزمان توهين للمطاردة والقتل على يد مسلحين في جريمة دبرتها عصابة احتيال، وفقًا لما ذكرته الشرطة. وأفادت صحيفة “بروتيدينر كاجوج” اليومية الناطقة باللغة البنغالية، والتي كان يعمل بها توهين، أن الهجوم وقع بعد أن صور عدة رجال مسلحين يعتدون على رجل في مشادة علنية. وفي الهند، عُثر على جثة الصحفي المستقل موكيش تشاندراكار مشوهة في خزان للصرف الصحي بعد أسابيع من بث قناة “إن دي تي في” الإخبارية تحقيق تشاندراكار في مزاعم فساد في مشروع طريق بقيمة 1.2 مليار روبية (12 مليون دولار أمريكي). وفي البيرو، قُتل غاستون ميدينا رميًا بالرصاص بعد أن أطلق عليه مهاجم يستقل دراجة نارية 11 رصاصة بينما كان الصحفي يتحدث مع صديق خارج منزله. وكان آخر بث إخباري تلفزيوني لميدينا قبل وفاته قد انتقد السلطات المحلية لشرائها شاحنات قمامة معيبة، وفصّل تجاوزات في تكاليف إنشاء ملعب رياضي جديد، وتساءل عن سلوك قائد الشرطة.
يشكّل الاضطراب السياسي خطرًا متزايدًا على الصحفيين أيضًا. فعلى الرغم من أن معظم حالات العنف ضد الصحفيين الذين يغطون الاحتجاجات لا تؤدي إلى وفيات، إلا أنه في نيبال، توفي سوريش راجاك، الصحفي المخضرم ورئيس قسم الكاميرات في قناة أفنيوز، في حريق أثناء تغطيته احتجاجًا عنيفًا مؤيدًا للنظام الملكي في كاتماندو.
تواصل الأنظمة الاستبدادية معاقبة الصحفيين بالإعدام، رغم ندرة هذه العمليات التنفيذية. فقد أعدمت السعودية الكاتب البارز تركي الجاسر بعد سبع سنوات من الاحتجاز. وقد أُدين الجاسر بتهم الخيانة، والتعاون مع جهات أجنبية، وتمويل الإرهاب، وتعريض الأمن الوطني والوحدة للخطر، وهي نوعية من التهم الملفقة المتعلقة بالأمن القومي والجرائم المالية التي باتت تُستخدم بشكل متزايد من قبل حكومات حول العالم لمعاقبة الصحفيين. وكانت آخر عملية قتل موثّقة في السعودية هي اغتيال الصحفي جمال خاشقجي عام 2018، ، والتي لم يُحاسب العقل المدبر المزعوم لها — الحاكم آنذاك — على الإطلاق.
الهجمات لا تتوقف عند الصحفيين
نادراً ما تتوقف الاعتداءات على الصحافة عند وسائل الإعلام. ففي كثير من الأحيان، يتم استهداف أفراد العائلة أو الأحباء كأسلوب لإسكات الصحفيين. فعلى سبيل المثال، دأبت إيران على ترهيب الصحفيين المستقلين بتهديدات بالعنف ضد عائلاتهم.
«لم يعد الصحفي هو الهدف الوحيد. لقد تحوّلت العائلة إلى أداة للضغط والعقاب الجماعي، في انتهاكٍ للمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني.»
نقابة الصحفيين الفلسطينيين
وأفادت منظمات صحفية بأن الحكومة الإسرائيلية استهدفت عمدًا أفراد عائلات الصحفيين الفلسطينيين. ففي تقرير صدر عام 2025، ذكرت نقابة الصحفيين الفلسطينيين أن الجيش الإسرائيلي قتل أكثر من 700 فرد من عائلات الصحفيين منذ بدء حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وجاء في التقرير: “لم يعد الصحفي وحده هو الهدف، بل تحولت العائلة إلى أداة ضغط وعقاب جماعي، بما يخالف جوهر القانون الدولي الإنساني.”
تُظهر الدراسات أن تراجع حرية الصحافة، بما في ذلك إغلاق وسائل الإعلام المستقلة، وفرض الرقابة، والهجمات الجسدية على الإعلام — بما في ذلك عمليات القتل — غالبًا ما يكون المؤشر الأول على تراجع الديمقراطية. وعلى الصعيد العالمي، يستمر الفشل الراسخ في محاسبة الجناة في تقويض الديمقراطيات وتشجيع قتلة الصحفيين، مما يتيح لهم الإفلات من العقاب عامًا بعد عام.
كيف توّثق لجنة حماية الصحفيين عمليات قتل الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام
يتخذ باحثو لجنة حماية الصحفيين خطواتٍ مكثفة ودقيقة للتحقق من المعلومات من مصدرين موثوقين على الأقل لكل ضحية مُدرجة في قاعدة بياناتنا. تتمثل الخطوة الأولى في دراسة كل حالة على حدة لتحديد ما إذا كان/ت الضحية ينطبق عليه تعريفنا للصحفي — وهو/هي شخصٌ يقوم بانتظام بتغطية الأخبار أو التعليق على الشؤون العامة عبر أي وسيلة إعلامية، بهدف نقل معلومات قائمة على الحقائق إلى الجمهور أو مشاركتها معه/ا. — وذلك من خلال مراجعة نماذج من أعماله/ا.
تتمثل خطوتنا التالية في التحقيق فيما إذا كانت وفاة الصحفي/ة مرتبطة بالعمل (مصنفة على أنها “مؤكدة”)، وذلك من خلال التحدث إلى أكبر عدد ممكن من الزملاء وأفراد الأسرة والمشرفين والأصدقاء للتحقق من خلفيات وانتماءات القتلى والدوافع المحتملة لعمليات القتل.
قد يستغرق تحديد هذه الظروف شهورًا أو حتى سنوات أحيانًا، لا سيما في مناطق الحروب. ونقوم بتحديث قاعدة بياناتنا بشكل دوري عند حصولنا على معلومات جديدة. وقد قمنا في هذا العام، وفي الأعوام السابقة، بحذف وإضافة صحفيين وصحفيات إلى قاعدة بياناتنا عندما أظهرت البيانات الجديدة ضرورة هذه التغييرات.
ملاحظة:
* لا تتضمن قاعدة بيانات لجنة حماية الصحفيين معلومات عن العاملين في وسائل الإعلام الذين ربما استُهدفوا عمدًا (يُصنف قتلهم ضمن ” القتل المتعمّد (Murder)” وفقًا لتصنيف اللجنة)؛ ومع ذلك، منذ بداية الحرب على غزة، جمعنا معلومات عن هؤلاء العاملين في وسائل الإعلام الذين خلص بحثنا إلى أنهم استُهدفوا عمدًا في الحرب، والذين قُتل العديد منهم إلى جانب صحفيين وصحفيات صنّفت اللجنة وفاتهم على أنها “قتل متعمّد (Murder)”. تُدرج تفاصيل هؤلاء العاملين في وسائل الإعلام في صفحة ضحايا الصحفيين.
الصورة الرئيسية: صحفي يحمل الكاميرا الملطخة بالدماء الخاصة بالمصورة الصحفية الفلسطينية مريم أبو دقة، التي عملت بشكل مستقل مع وكالة أسوشيتد برس منذ بداية الحرب وقُتلت في غارة إسرائيلية على مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة، وذلك خلال جنازتها في 25 أغسطس/آب 2025. وقالت وكالة الدفاع المدني في غزة إن خمسة صحفيين، بينهم أبو دقة، كانوا ضمن ما لا يقل عن 20 شخصًا قُتلوا في غارة 25 أغسطس/آب. (الصورة: أ ف ب)