الاعتداءات على الصحافة في عام 2010
تمهيد
المؤسسات الدولية تتقاعس عن الدفاع عن حرية الصحافة
الكشف عن المعتدين المتوارين الذين يهاجمون عبر شبكة الإنترنت
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا:   القمع بذريعة الأمن القومي
مصر
إيران
اليمن
تركيا
تونس
السودان
المغرب
لبنان
إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة
العراق
لقطات سريعة من البلدان

ظلت تونس من أكثر بلدان المنطقة قمعا حتى وهي تسعى لتصوير نفسها كدولة ليبرالية وحديثة. فقد زجت حكومة الرئيس زين العابدين بن علي بثلاثة صحفيين على الأقل في السجن أثناء العام، وكان أحدهم لا يزال قيد الاحتجاز عندما أجرت لجنة حماية الصحفيين إحصاءها السنوي للصحفيين السجناء في 1 كانون الأول/ديسمبر. وصدر قانون جديد مبهم يستهدف الصحفيين الناقدين والمدافعين عن حقوق الإنسان عن طريق تجريم الاتصالات الدولية التي تعتبرها الحكومة مضرة بمصالحها.

وبموجب هذا القانون المُعدِّل لقانون العقوبات، أصبح محظورا على التونسيين إقامة "اتصالات مع جهات أجنبية للتحريض على الإضرار بالمصالح الحيوية" لتونس أو "أمنها الاقتصادي،" وذلك حسب ما أوردته وكالة تونس إفريقيا للأنباء التابعة للحكومة التونسية. أما العقوبة المترتبة على انتهاك القانون فتصل إلى خمس سنوات في السجن. وكانت الغرفة الأولى من البرلمان التونسي التي يسيطر عليها حزب التجمع الدستوري الديمقراطي وهو الحزب الحاكم قد أقرت مشروع القانون بتاريخ 15 حزيران/يونيو ولم يلبث مشروع القانون حتى وقع عليه رئيس الجمهورية ودخل حيز النفاذ. وقد أدانت لجنة حماية الصحفيين القانون، وقالت إن لغته الفضفاضة تسمح للحكومة بمعاقبة أي شخص ينقل معلومات ذات اهتمام دولي.

وفي الواقع، تزامن تمرير القانون مع قيام المدافعين التونسيين عن حقوق الإنسان بتكثيف جهودهم في مجال الدعوة والضغط على الاتحاد الأوروبي، حيث ناشدوا الاتحاد على عدم منح تونس "وضعا متقدما" ما لم تتخذ الحكومة خطوات ملموسة نحو تحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان ولا سيما فيما يتعلق بجهودها منذ عهود لإسكات الأصوات المعارضة. ومن شأن الوضع المتقدم أن يُمكِّن تونس من الاندماج تدريجيا في أسواق الاتحاد الأوروبي. ولم تصدر من الاتحاد الأوروبي ردة فعل علنية على إقرار التعديل المُقيد، وكانت المحادثات بشأن الوضع المتقدم لا تزال جارية في نهاية العام. وبفعل ضغوط مارستها فرنسا وإيطاليا، اللتان تربطهما بتونس علاقات وثيقة، فقد كان من المتوقع أن يمنح الاتحاد الأوروبي تونس وضعا متقدما في نهاية المطاف.

تجلت الأساليب الحكومية المتشددة في حبس الفاهم بوكدوس، مراسل القناة التلفزيونية الفضائية "الحوار التونسي." فقد سجنت السلطات بوكدوس في تموز/يوليو بعد أن أيدت محكمة الاستئناف إدانته على خلفية تغطيته الإعلامية للاحتجاجات العمالية العنيفة التي جرت في منطقة المناجم في قفصة عام 2008. وصدر بحق بوكدوس حكم بالسجن لمدة أربع سنوات بتهمة "الانتماء إلى جمعية إجرامية" ونشر مواد "من المحتمل أن تضر بالنظام العام،" واقتيد إلى السجن بعد يوم واحد من مغادرته المستشفى في سوسة حيث كان يتلقى العلاج جراء أزمة ربو حادة. وقد أعرب أهله وزملاؤه عن قلقهم البالغ إزاء صحته. وفي تشرين الأول/أكتوبر، أعلن بوكدوس إضرابا عن الطعام احتجاجا على حبسه.

انتقدت وزارة الخارجية الأمريكية الحكم القاسي و"تراجع الحريات السياسية في تونس". وردت وزارة الخارجية التونسية مدعيةً بأن قلق الولايات المتحدة يستند إلى "معلومات كاذبة" وأن "الحريات" قد تعززت "في الواقع النظري والعملي على حد سواء" في عهد الرئيس بن علي. ووفقا لبحث لجنة حماية الصحفيين، فإن الحكومة التونسية تتبع على الدوام أسلوبا يقوم على النفي القاطع لحصول انتهاكات ضد حرية الصحافة.

ومع ذلك، كانت ممارساتها القمعية جلية. ففي آذار/مارس، أمرت الشرطة الصحفيين بعدم حضور مؤتمر صحفي كان من المقرر أن تطلق فيه منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرا حول السجناء السياسيين التونسيين. وجرى نقل مكان انعقاد المؤتمر الصحفي إلى أحد مكاتب المحاماة بعدما رفضت عدة فنادق في العاصمة تونس استضافة المؤتمر تنفيذا لتعليمات السلطات التونسية، حسبما أفادت مصادر محلية للجنة حماية الصحفيين. وأفاد أربعة صحفيين على الأقل للجنة بأن الشرطة منعتهم جسديا من الاجتماع بمنظمة هيومن رايتس ووتش.

أطلقت السلطات سراح زهير مخلوف وتوفيق بن بريك، وهما صحفيان سُجنا على خلفية عملهما، حيث أمضى زهير مخلوف، الكاتب في الموقع الإخباري التونسي "السبيل أونلاين"، أكثر من ثلاثة أشهر في السجن بتهمة "إزعاج الغير عبر شبكة الاتصالات العمومية،" وهي تهمة جاءت على خلفية تغطيته الإخبارية للتلوث في المناطق الصناعية في نابل. أما بن بريك، الناقد اللاذع للحكومة، فقد قضى ستة أشهر في السجن بتهمة ارتكاب اعتداء وهي تهمة خلصت لجنة حماية الصحفيين إلى أنها انتقامية لُفقت له بسبب عمله.

واجه صحفيون ناقدون انتقاما قاسيا عقب خروجهم من السجن، كما يُظهر بحث لجنة حماية الصحفيين. فبعدما أُطلق سراح المدون والصحفي المستقل سليم بوخذير في عام 2008 بعد ثمانية أشهر قضاها في السجن على خلفية تهمة ملفقة بالاعتداء على موظف حكومي وانتهاك "الآداب العامة،" ظلت حريته نسبية لأن تحركاته باتت مقيدة للغاية بعدما صادرت الشرطة هويته الشخصية في عام 2009 وتجاهلت السلطات طلباته المتكررة للحصول على جواز سفر. كما قال أربعة صحفيين تونسيين منفيين في فرنسا للجنة حماية الصحفيين في حزيران/يونيو إن السلطات التونسية رفضت تجديد جوازات سفرهم، وهو ما جعل حركتهم مقيدة. وقال أحد الصحفيين وهو سليم باجة رئيس تحرير مجلة "لو أوديس" الشهرية المعارضة والمتوقفة عن الصدور حالياً، إنه تلقى مكالمات ورسائل من مجهولين تهدده بالقتل.

واصلت السلطات حجب موقع "كلمة" الإخباري المستقل على شبكة الإنترنت، وضايقت الصحفيين العاملين فيه، حيث واجه مراسل الموقع مولدي الزوابي في تشرين الأول/أكتوبر تهمة بارتكاب اعتداء وهي تهمة ملفقة بحسب محاميه. كما ظلت سهام بن سدرين التي أسست موقع "كلمة" تخضع لتحقيق رسمي في انتهاكات مزعومة لأنظمة البث فيما يتعلق بالراديو الذي يبث من موقعها الإخباري. وكما كان يحدث في الماضي، استهدفت وسائل الإعلام الموالية للحكومة بن سدرين بحملة تشهير، بحسب ما أظهره بحث لجنة حماية الصحفيين.

تقدم موقع "كلمة" و "راديو 6"، وهو محطة إذاعية أخرى تبث عبر شبكة الإنترنت، بطلبات عديدة للحصول على رخصة بث ولكن دون جدوى. فقد ظلت رخص البث الخاص حكرا على عائلة بن علي وأصدقائه منذ أن بدأت الحكومة النظر في طلبات الترخيص في عام 2003، بحسب بحث لجنة حماية الصحفيين. وفي أيلول/سبتمبر، أطلقت ابنة الرئيس، سيرين بن علي مبروك محطة إذاعية باسم "شمس إف إم"، وقالت في كلمة تهنئة وتبريك وجهتها للإذاعة "إنني على يقين بأن هذه الإذاعة سوف تسهم في تطوير المشهد الإعلامي الوطني في ضوء قرارنا بفتح مجال البث المرئي والمسموع أمام القطاع الخاص كي يساهم في إثراء المشهد الإعلامي التونسي وتنويعه وتحسين أدائه."

وكان المستفيد الأكبر من رخص البث صخر الماطري، صهر الرئيس. فمنذ زواجه بنسرين بن علي في عام 2004، حصل الماطري على رخصة لإطلاق إذاعة "الزيتونة" وتلفزيون "الزيتونة"؛ وفي عام 2009، بسط سيطرته على مجموعة دار الصباح الإعلامية الرائدة الخاصة التي تنشر صحيفتين يوميتين وصحيفتين أسبوعيتين. وفي تشرين الأول/أكتوبر، منحت الحكومة رخصة إنشاء إذاعة خاصة باسم "إكسبرس إف إم" لمراد قديش نجل محمد قديش مستشار الرئيس بن علي وطبيبه.

وظل صحفيو المعارضة يتعرضون لمضايقات مستمرة. ففي أيلول/سبتمبر، أضرب مدير تحرير أسبوعة "الموقف" المعارضة، أحمد نجيب الشابي، عن الطعام احتجاجا على الضغط الحكومي الممارس على المطبعة التي كان متعاقدا معها، حيث أسفرت تلك الضغوط عن تأخير إصدار أحد أعداد الصحيفة في أيلول/سبتمبر كان يحتوي على عدة مقالات تنتقد الحكومة. وكان من بينها مقال على الصفحة الأولى يورد تفاصيل سرقة وثائق وممتلكات أخرى في باريس تعود لصحفي قناة الجزيرة أحمد منصور، الذي سافر إلى العاصمة الفرنسية لإجراء مقابلة مع أحمد بنور، وهو مسؤول تونسي سابق كان مشرفا على بن علي قبل انقلاب عام 1987.

وقال العديد من الصحفيين المستقلين والمعارضين للجنة حماية الصحفيين إن حسابات بريدهم الإلكتروني كانت تتعرض للمراقبة بصورة روتينية، وكانت مكالماتهم الهاتفية الدولية تتعرض للإعاقة. ونشرت مجموعة مراقبة حالة حرية التعبير في تونس، وهي ائتلاف من 20 منظمة تحت مظلة الشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير، تقريرا في حزيران/يونيو بعنوان "ما وراء الواجهة: تقويض حقوق الإنسان في تونس بسبب تسييس القضاء و فرض العقوبات الإدارية" احتوى على عينة من مواقع الانترنت المحجوبة في تونس. ولقد وصفت مجموعة المراقبة، التي أرسلت منذ عام 2005 سبع بعثات إلى تونس لتقصي الحقائق، وجود مناخ "مريع" لحرية التعبير يتعرض فيه الصحفيون الناقدون إلى مضايقات مستمرة، ويتم تجاهل طلبات ترخيص الصحف والمحطات الإذاعية المستقلة، وتخضع مواقع الإنترنت الجديدة للرقابة المستمرة. وذكر التقرير بأن هناك ما لا يقل عن 30 موقعا إلكترونيا محليا ودوليا إخباريا، وموقع حقوق إنسان، وموقعا سياسيا يطاله الحجب المحلي في تونس.

وحسبما أفاد صحفيون محليون، فإن الصفحات الخاصة بتونس على موقع لجنة حماية الصحفيين على شبكة الإنترنت كانت معطلة في البلاد. وأشار هؤلاء الصحفيون إلى أن مواقع إخبارية ومواقع حقوق إنسان أخرى كانت عرضة للحجب الانتقائي بصورة مماثلة. وفي تشرين الأول/أكتوبر، حجبت السلطات الموقع الإلكتروني للمرصد التونسي للحقوق والحريات النقابية فورا عقب إطلاقه.