الاعتداءات على الصحافة في عام 2010
تمهيد
المؤسسات الدولية تتقاعس عن الدفاع عن حرية الصحافة
الكشف عن المعتدين المتوارين الذين يهاجمون عبر شبكة الإنترنت
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا:   القمع بذريعة الأمن القومي
مصر
إيران
اليمن
تركيا
تونس
السودان
المغرب
لبنان
إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة
العراق
لقطات سريعة من البلدان

واجه الصحفيون السودانيون تركيبة مألوفة وسامة قوامها الرقابة والمضايقات القانونية والتخويف، في حين أفضت انتخابات وطنية إلى توطيد السلطة الحاكمة بعد أن كان بوسعها أن تكون انتخابات تاريخية. كما كانت الرقابة الذاتية منتشرة على نطاق واسع بين الصحف السودانية المحاصرة، في حين استمر عناصر الأمن في منع تغطية المواضيع التي تُعتبر حساسة بما فيها قضية دارفور، والمحكمة الجنائية الدولية، وقضايا حقوق الإنسان، والفساد الرسمي، والانفصال، وحتى الرقابة التي تفرضها الدولة. وقد استمر القمع والاضطراب السياسي إلى ما بعد الانتخابات حيث اتجهت الأنظار إلى الاستفتاء الوطني المقرر عقده في 2011 والذي يمكن أن يُفضي إلى استقلال جنوب السودان استقلالا تاما. وفي تلك الأثناء، واصلت الحكومة فرض قيود لإعاقة التغطية الإعلامية للأزمة الإنسانية الملحة في دارفور.

وفي منتصف نيسان/إبريل، انتُخب عمر حسن البشير رئيسا للبلاد بنسبة تجاوزت 68 في المائة من الأصوات رغم مذكرة الاعتقال الصادرة بحقه منذ عام من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وكان متصورا أن تكون تلك الانتخابات أول انتخابات رئاسية متعددة الأحزاب في السودان منذ أكثر من 20 عاما ولكن أحزاب المعارضة الرئيسية قاطعتها، وشابتها مخالفات على نطاق واسع واتهامات بالتزوير. (شاركت بعض أحزاب المعارضة في الانتخابات ولكن في أجزاء أخرى منها كالتصويت على مقاعد تشريعية وإقليمية ومحلية معينة.) وذكرت تقارير المراقبين الدوليين بأن الحقوق والحريات السياسية كانت مقيدة في مرحلة ما قبل الانتخابات، في حين أن عملية فرز الأصوات افتقرت إلى الشفافية وكانت عرضة للتلاعب.

تُعتبر الانتخابات والاستفتاء مكونين رئيسيين في اتفاق السلام الشامل الذي طوى توقيعه في 2005 عقدين من النزاع بين نخبة الشمال من العرب المسلمين والجنوبيين الفقراء غير المسلمين. وكجزء من الاتفاق، شكل مؤتمر الحزب الوطني الحاكم والحركة الشعبية لتحرير السودان حكومة وحدة وطنية بقيادة البشير. كما مُنحت عشر ولايات جنوبية حكما ذاتيا إقليميا نسبيا في ظل حكومة جنوب السودان التي يترأسها سلفا كير من الحركة الشعبية والذي أعيد انتخابه أيضا في انتخابات نيسان/إبريل.

يؤكد اتفاق السلام الشامل والدستور المؤقت لعام 2005 على الحق في حرية التعبير وحرية الصحافة. ورغم هذه الضمانات، أرست السلطات في الخرطوم نظاما رقابيا قمعيا باستخدام آليات متنوعة كالإجراءات البيروقراطية التقييدية، والمراقبة والمضايقة على يد عناصر الدولة، والتعليمات القانونية الصارمة. وفي تموز/يوليو، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرا يوثق انتشار استخدام أجهزة الأمن السودانية لوسائل التعذيب ضد المدافعين عن حقوق الإنسان ومنتقدي الحكومة بمن فيهم الصحفيون. وفي آب/أغسطس، أعلنت الأجهزة الأمنية بأن الصحفيين الذين لم يستكملوا استبيانا حكوميا شاملا سوف يتعرضون للاعتقال. وكان هذا الاستبيان قد وُزع على الصحفيين في تموز/يوليو وهو يحتوي على أسئلة تفصيلية تسعى لمعرفة وجهات نظرهم السياسية ومعرفة أصدقائهم وعناوينهم وحساباتهم المصرفية ومخططات التوزيع الداخلي لمساكنهم. وقد رفض عدة صحفيين يكتبون في صحف ناقدة تقديم المعلومات المطلوبة، بحسب ما قالوه للجنة حماية الصحفيين. بيد أن بعضهم قد رضخ بعد أن استدعتهم مكاتب الأمن واستجوبتهم لعدة ساعات ووهددتهم. وعبّر الصحفي فايز السليك، رئيس تحرير صحيفة "أجراس الحرية" بالإنابة، عن هذا الوضع لوكالة رويترز بقوله: "لأن تكون لصا هنا في السودان خير من أن تكون صحفيا." كما قيدت السلطات في الجنوب حرية الصحافة ولا سيما فيما يتعلق بالانتقادات الموجهة للحركة الشعبية لتحرير السودان والتغطية الإعلامية للعنف بين الجماعات الإثنية في المنطقة.

وقبيل الانتخابات، اشتد قمع الأصوات الناقدة، حيث قامت الشرطة في عدة مناسبات في كانون الأول/ديسمبر 2009 بضرب واعتقال الصحفيين الذين حاولوا تغطية الاشتباكات بين القوات الحكومية وبين المحتجين المطالبين بتغيير قانون الانتخابات في السودان. وفي آذار/مارس، قام المجلس القومي للصحافة التابع للحكومة - وهو ظاهريا وكالة معنية بتنظيم قطاع الإعلام ولكنه فعليا ذراع للحزب الوطني الحاكم - باستجواب رئيسي تحرير في الخرطوم اتُهما "بإهانة" رئيس الجمهورية، على خلفية ما نشرته صحيفة "رأي الشعب" وصحيفة "أجراس الحرية" المؤيدتان للمعارضة من مقالات تلمح إلى أن البشير قد يستسلم للمحكمة الجنائية الدولية. وفي مطلع نيسان/إبريل، اتهم المجلس الصحفي البارز وعضو حزب المعارضة، الحاج علي وراق، "بشن حرب ضد الدولة" وهي جريمة بموجب قانون العقوبات السوداني. وتستند هذه التهمة إلى مقالة رأي نشرتها صحيفة "أجراس الحرية" وعبر فيها وراق عن تأييده لقرار الحركة الشعبية لتحرير السودان بمقاطعة الانتخابات الرئاسية وزعم بأن الحزب الوطني الحاكم كان متورطا في عملية لتزوير الانتخابات.

فرضت أجهزة الأمن السودانية رقابة مستمرة على تغطية المواضيع الحساسة سياسيا. ففي حزيران/يونيو، منعت السلطات طباعة صحيفة "الميدان" الأسبوعية المعارضة لمّا لم يعط موظفوها لرجال الأمن نسخة من الصحيفة قبل طباعتها. وفي هذا الصدد، يقول عبد القادر محمد عبد القادر أحد صحفيي "الميدان" للجنة حماية الصحفيين إن القائمين بالرقابة الحكومية أطالوا القائمة غير المكتوبة للمواضيع المحظورة على الصحافة بحيث باتت تشمل إضراب الأطباء الجاري والمحادثات الدبلوماسية في كمبالا بأوغندا فيما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية، "ففي الماضي، كان الخط الأحمر دارفور وانتهاكات حقوق الإنسان. أما اليوم، فلدينا موضوعان إضافيان: إضراب الأطباء ومؤتمر كمبالا بشأن المحكمة الجنائية الدولية." وفي الأسبوع نفسه، لم تصدر صحيفة "أجراس الحرية" لمدة ثلاثة أيام لأن مقص الرقيب طال الكثير من محتواها - من صفحات الأدب إلى صفحات الرياضة - حتى قرر محررو الصحيفة بأن الأعداد لم تعد صالحة للنشر. وكانت المقالات التي تناولت الإضراب والمؤتمر الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية من بين تلك المقالات المحذوفة.

وفي آب/أغسطس، أصدر مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني محمد عطا قراراً يرفع كافة أشكال الرقابة في السودان. غير أن الصحفيين ظلوا متشككين للغاية وأشاروا إلى أن وعودا مماثلة سابقة - بما فيها تصريح صدر في أيلول/سبتمبر 2009 يكاد يكون مطابقا لهذا القرار - ما لبثت وأن أُخلفت. وفي الواقع، حذر محمد عطا بأن جهاز الأمن والمخابرات الوطني "يحتفظ بحقه الدستوري" في إعادة فرض "الرقابة كلية كانت أو جزئية متى ما دعت الضرورة لذلك".

كما كانت التوترات الإقليمية المتفاقمة طوال النصف الثاني من عام 2010 خطا أحمر آخر بالنسبة للصحافة المحلية رغم أهميتها الحاسمة على الصعيد الوطني. ففي تموز/حزيران، علّق جهاز الأمن والمخابرات الوطني صدور صحيفة "الانتباهة" اليومية بعد أن اتهمها "بتقوية الاتجاهات الانفصالية." وصدر قرار إغلاق الصحيفة بعد نشر مقال كتبه رئيس التحرير، الطيب مصطفى، انتقد فيه التدخل الليبي في دارفور وقيام ليبيا باستضافة جماعة سودانية متمردة.

علِق الصحفيون في كثير من الأحيان في الجو السياسي الحزبي المشحون في السودان. فقد داهمت قوات الأمن في أيار/مايو مكاتب صحيفة "رأي الشعب" في الخرطوم وأوقفت طبعها وصادرت معداتها ونسخها. كما اعتقلت نائب رئيس التحرير، أبو ذر الأمين، ومحرر الأخبار السياسية وثلاثة مراسلين صحفيين. وأُغلقت الصحيفة في وقت لاحق. وجاءت الاعتقالات والإغلاق كرد انتقامي على نشر تقرير زعم بأن عملاء إيرانيين كانوا يعملون في السودان لمساعدة المتمردين في إفريقيا والشرق الأوسط. وقد فند الحزب الحاكم ما جاء في التقرير ووصفه بأنه مخطط دبره حزب المؤتمر الشعبي، ناشر الصحيفة، لإفساد العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والسودان. كما اعتقلت السلطات رئيس حزب المؤتمر الشعبي، حسن الترابي، الحليف السابق للبشير الذي أصبح لاحقا منتقدا للنظام. وتعرض أبو ذر الأمين، بحسب محاميه، للضرب المبرح والتعذيب بالصعق بالكهرباء أثناء فترة احتجازه. وفي تموز/يوليو، أدين أبو ذر ومراسلان من صحيفة رأي الشعب بتهمتي "تقويض النظام الدستوري" و"نشر معلومات كاذبة" وحُكم عليهم بالسجن لمدد تراوحت بين سنتين وخمس سنوات، في حين برّأت المحكمة صحفيا رابعا. وقد أثارت المحاكمة تساؤلات بشأن عدالتها وسلامة إجراءاتها، فعلى سبيل المثال، انسحب بعض محامي الدفاع من القضية احتجاجا على رفض القضاة قبول بعض شهودهم.

ظلت وسائل البث الإعلامي في هذا البلد المترامي الأطراف والذي يفتقر للبنية التحتية هي الوسيلة الوحيدة للحصول على الأخبار بالنسبة لمعظم السكان. غير أن حكومة الخرطوم تملك جميع محطات التلفزة المحلية وتسيطر على معظم الإذاعات المحلية باستثناء وسائل إعلامية مدعومة من الأمم المتحدة وبضعة محطات قائمة في جنوب السودان تندرج تحت إطار السلطة التنظيمية لحكومة جنوب السودان. وفي آب/أغسطس، علقت الحكومة رخصة هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) للبث باللغة العربية على موجات إف إم محلية تديرها الدولة في أربع مدن شمالية ومن ضمنها العاصمة الخرطوم. وقد ادعت السلطات بأن قرار تعليق بث هيئة الإذاعة البريطانية "لا يتعلق إطلاقاً" بتغطيتها الإخبارية، بل زعمت أن الهيئة أدخلت إلى البلاد معدات للبث الفضائي منتهكةً بذلك اتفاقية وقعتها سابقا مع الحكومة. وقد عبر مسؤولو هيئة الإذاعة البريطانية عن خيبة أملهم إزاء تعليق البث وقالوا إنهم سيحاولون حل الخلاف عبر المناقشات مع الحكومة. وفي تشرين الأول/أكتوبر، رفضت السلطات السودانية تجديد رخصة خدمة البث الناطقة باللغة العربية التي يقدمها راديو فرنسا الدولي، والتي تعرف باسم راديو مونت كارلو، للبث على الترددات المحلية. ووفقا لإذاعة مرايا إف إم المدعومة من الأمم المتحدة (والذي يقع مقرها في جنوب السودان) فإن ربيع عبد العاطي وهو مسؤول رفيع المستوى في حزب المؤتمر الوطني قال إن التعليق لم يكن بدافع سياسي، وإن الترخيص يتطلب شروطا معينة ومنها "شروط المعاملة بالمثل التي من شأنها أن تسمح للإذاعة السودانية ببث برامجها في بريطانيا وفرنسا."

كما قامت السلطات في جنوب السودان، حيث تفرض الحركة الشعبية لتحرير السودان هيمنتها السياسية، بمضايقة صحفيي وسائل الإعلام المبثوثة كذلك. ففي آذار/مارس، داهمت قوات الأمن في ولاية الاستوائية الوسطى الواقعة في جنوب السودان إذاعتين محليتين، وأجبرتهما على إيقاف البث مؤقتا وقامت باعتقال العاملين فيهما. وكان سبب مداهمة راديو "ليبرتي إف إم" على ما يبدو مقابلة أجرتها المحطة مع حاكم ولاية مستقل كان مترشحا في الانتخابات وينافس الحركة الشعبية لتحرير السودان على بطاقة الفوز. ولم يوضح رجال الأمن قرارهم بمداهمة راديو "بخيتة" الذي تديره كنيسة الروم الكاثوليك واعتقال مديرته الراهبة. غير أن الإذاعة تلقت تحذيرات، وفقا لتقارير إخبارية، بالابتعاد عن السياسة وبحصر مواد البث في البرامج الدينية. وقالت كلتا المحطتين إن السلطات أطلقت سراح موظفيهما لاحقا وإنهما استأنفتا البث في اليوم نفسه. وفي شهر أيار/مايو، انتقد وزير في حكومة الجنوب راديو "مرايا إف إم" لبثه مقابلة مع جورج آثور القائد المنشق عن الحركة الشعبية لتحرير السودان الذي هدد بشن حملة تمرد بعد خسارته الانتخابات الإقليمية. وقد عبر بعض الصحفيين المحليين عن استنكارهم لتصريحات الوزير، وقالوا إنها تشير إلى تعصب سياسي.

وفي حين بدت صورة المستقبل الإعلامي في السودان قاتمة مع قرب موعد الاستفتاء - الذي وصفته وزيرة الخارجية الأمريكية في آب/أغسطس بأنه "قنبلة موقوتة" - كان بعض النشاطين السودانيين الشباب يُسخّرون قوة الإنترنت ومواقع الشبكات الاجتماعية لتحقيق التغيير غير العنيف، حيث قام أعضاء حركة "قرفنا" الوليدة والمؤيدة للديمقراطية ببث معلومات حول حقوق المواطنين عبر موقع فيسبوك ويوتيوب وعبر إذاعة تبث على شبكة الإنترنت. وقام المتطوعون بتنبيه الناشطين لحالات القمع بواسطة مقاطع الفيديو التي تلتقطها عدسات هواتفهم المحمولة، وبواسطة الرسائل النصية وخدمة سكايب، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".