Special Report

«عُدنا من الجحيم» : صحفيون فلسطينيون يروون قصص التعذيب في السجون الإسرائيلية

In This Report

تحذير بشأن المحتوى: يحتوي هذا التقرير على وصف تفصيلي للعنف الجسدي والنفسي والجنسي.

 يتذكر الصحفي الفلسطيني أحمد عبد العال تلك اللحظة التي تسربت فيها الموسيقى الصاخبة إلى أذنيه. قال أحمد إنه احتُجز لمدة خمسة أيام معصوب العينين في غرفة داخل مركز احتجاز إسرائيلي، حيث جُرد من ملابسه وتعرض للضرب، فيما كانت أغانٍ عبرية وإنجليزية تُبث بصوت عالٍ دون انقطاع. وكلما شارف على فقدان الوعي، كانت توقظه صعقة كهربائية أو ضربة.

وصف صحفيٌ آخر، طلب حجب اسمه خوفًا من الانتقام، معاملةً مشابهة داخل ما يسميه المعتقلون «غرفة الديسكو». وقال إن الجنود ربطوا أعضائه التناسلية بأربطة بلاستيكية وضربوه حتى جعلت الإصابات التبوّل مستحيلًا دون نزول دم. وأضاف: «قالوا لي أنني لن أعود رجلًا بعد اليوم.»

هاتان الروايتان هما جزءٌ من 59 شهادة معمّقة جمعتها لجنة حماية الصحفيين من صحفيين فلسطينيين أُفرج عنهم من الاحتجاز الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وكشفت هذه المقابلات أن 58 – جميع من أُفرج عنهم ما عدا واحد – أفادوا بتعرضهم للتعذيب أو الإساءة أو أشكال أخرى من العنف منذ بداية ما تتفق منظمات حقوق الإنسان على أنه إبادة جماعية.

وثقت اللجنة احتجاز ما لا يقل عن 94 صحفيًا فلسطينيًا وعاملًا واحدًا في المجال الإعلامي خلال تلك الفترة: منهم 32 صحفيًا وعاملًا واحدًا في المجال الإعلامي من غزة، و60 من الضفة الغربية، وفلسطينيين اثنين من داخل إسرائيل. ولا يزال 30 منهم رهن الاحتجاز حتى 19 فبراير/شباط 2026. فيما أظهر إحصاء السجون لعام 2025 الذي أجرته لجنة حماية الصحفيين أن إسرائيل مدرجة ضمن قائمة الدول الأكثر سجنًا للصحفيين منذ عام 2023.

حاولت اللجنة التواصل مع جميع الصحفيين الـ65 الذين أُفرج عنهم من الاحتجاز الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكنها لم يتمكن الباحثون من إجراء مقابلات مع خمسة منهم؛ لكن قُتل أحدهم، إسماعيل الغول، في غارة جوية إسرائيلية، بينما رفض الخمسة الآخرون التحدث.

Journalist Abdelhameed Hamdona before and after 23 months of Israeli detention.
الصحفي عبد الحميد حمدونة قبل وبعد 23 شهرًا من الاعتقال الإسرائيلي. (الصورة: بإذن من عبد الحميد حمدونة)

لم تتمكن لجنة حماية الصحفيين من التحقق بشكل مستقل من كل ادعاء، لكن التقارير تتوافق مع نتائج منظمات حقوق الإنسان التي وثقت معاملة مماثلة للفلسطينيين في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية، والتي وصفتها منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية لحقوق الإنسان بأنها «شبكة من معسكرات التعذيب».

رغم اختلاف الظروف بين المرافق المختلفة، فإن الأساليب التي رواها من أُجريت معهم المقابلات –  من اعتداءات جسدية، وإجبار على أوضاع مرهقة، وحرمان حسي، وعنف جنسي، وإهمال طبي – كانت متقاربة بشكل لافت. طلب عشرة صحفيين عدم الكشف عن هوياتهم، مدعين تلقيهم تهديدات صريحة بإعادة اعتقالهم أو قتلهم من قبل محققين إسرائيليين ومسؤولي مصلحة السجون إن تحدثوا علنًا. تظهر هذه التهديدات في 31 شهادة فردية، الأمر الذي دفع العديد من الصحفيين إلى التخلي عن عملهم الصحفي.

لم تُوجَّه أي تهمة إلى الغالبية الساحقة من الصحفيين – 48 صحفيًا – واحتُجزوا بموجب نظام الاعتقال الإداري الإسرائيلي، الذي يسمح باحتجاز الفرد دون توجيه تهمة، عادةً لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد إلى أجل غير مسمى، بحجة منعه من ارتكاب أي جرائم مستقبلية. أما العشرة الآخرون فقد وُجهت إليهم تُهم مثل التحريض، أو القيام بأنشطة مناهضة للدولة، أو الترويج للإرهاب.

تُعرّف اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التي صادقت عليها إسرائيل، أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد ،جسديًا كان أم عقليًا، يلحق عمدًا بشخص ما بقصد الحصول على معلومات أو على اعتراف، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأى سبب يقوم على التمييز ايا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، صرّح بيتر فيدل كيسينغ، خبير لجنة مناهضة التعذيب والمقرر القطري قائلًا إن «مصادقة إسرائيل على اتفاقية مناهضة التعذيب يُظهر استعداد الدولة للقضاء على التعذيب ومنع المعاملة اللاإنسانية، ومع ذلك، فقد شعرت اللجنة بصدمة بالغة إزاء العدد الكبير من التقارير البديلة الواردة من مصادر متنوعة، والتي تُشير إلى ما يبدو أنه تعذيب ومعاملة لا إنسانية ممنهجة وواسعة النطاق للفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال والفئات الضعيفة الأخرى.»

تصف روايات الصحفيين نظامًا تم تصميمه لإسكاتهم، ولضمان عدم خروج القصص من غزة والضفة الغربية إلى الخارج أبدًا.

«انتهت اللعبة»

في اليوم الذي اعتقلت فيه القوات الإسرائيلية  المصور الصحفي من غزة شادي أبو سيدو، اقترب منه جندي داخل مجمع الشفاء الطبي وقال له بالإنجليزية: «Game over»، أي «انتهت اللعبة».

قال شادي إن ما تلى ذلك كان طقسًا يُطلق عليه المعتقلون ايك «التشريفة» أو «الاستقبال الكبير»، وهو عبارة عن ضرب جماعي منسّق للمعتقلين عند وصولهم إلى السجون الإسرائيلية. وأضاف أنه عند نقله إلى معتقل سْدي تيمان، تم تقييده بالأصفاد وعصب عينيه، وأُجبر على المرور عبر ممر مليء بالجنود الذين انهالوا عليه بالضرب بالهراوات والركلات، وعلم لاحقًا أنه أصيب بكسر في أحد أضلاعه.

Soldiers lock a gate from the inside at Sde Teiman detention facility, after Israeli military police arrived at the site as part of an investigation into the suspected abuse of a Palestinian detainee.
جنود يغلقون بوابة من الداخل في منشأة معتقل سْدي تيمان، بعد وصول الشرطة العسكرية الإسرائيلية إلى الموقع في إطار تحقيق بشأن الاشتباه بإساءة معاملة معتقل فلسطيني. (الصورة: رويترز/أمير كوهين)

تكررت روايات مشابهة عن سوء المعاملة في معظم الشهادات؛ فمن بين الـ58 صحفيًا الذين تمّت مقابلتهم، قال 56 منهم إنهم تعرضوا للضرب الممنهج داخل السجون على أيدي السلطات الإسرائيلية، وكذلك أثناء الاعتقال والنقل إلى المعسكرات.

قال مصطفى خواجا، صحفي من الضفة الغربية، إن تعرضه للضرب في  سجن شطة في 14 مارس/آذار 2024، أسفر عن إصابته بكسور في الأضلاع، وتمزّق في الغضروف المفصلي، وإصابات في العمود الفقري شُخصت لاحقًا على أنها انزلاق غضروفي. وفي  سجن النقب/كتسيعوت، قال الصحفي المعتقل  محمد بدر إنه تعرض للضرب المبرح حتى قُطع لسانه، ولم يستطع الكلام أو الأكل إلا بصعوبة بالغة لمدة أسبوعين.

وفي سجن عوفر، وصف الصحفي الإذاعي محمد الأطرش هجومًا منسقًا أطلق عليه هو ومعتقلون آخرون اسم «حفلة الشين بيت (الشاباك)» أو «حفلة بن غفير»، وهي عقوبة جماعية نُفذت في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 وشملت عشرات السجناء.

وأفاد الأطرش بأنه تم إصدار أوامر لكلاب مدربة بمهاجمة المعتقلين، واستُخدمت أدوات معدنية لإحداث نزيف طويل الأمد وندوب. وروى الصحفيان الغزيان إسلام أحمد وأسامة السيد استخدام الصعق بالكهرباء ورذاذ الفلفل بشكل متقطع بين الضربات. وبحسب شهادات عديدة، نُفذت العقوبة بعد فترة وجيزة من زيارة قام بها إيتامار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي. وقد صرّح بن غفير في مناسبات عامة متعددة بأنه فخور بتدهور أوضاع الأسرى الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية. وقد راسلت لجنة حماية الصحفيين بن غفير ووزارة الأمن القومي للتعليق، لكنها لم تتلقَّ أي رد.

ووصف آخرون إصاباتٍ استمر أثرها، حيث قال الصحفي محمد نافذ قعود إن الضرب المتكرر أثناء دخوله السجن خلّف جروحًا عميقة في قدميه. وأضاف أنه مع غياب العلاج، أصيبت قدميه بالعدوى بسبب «الديدان التي تتغذى عليها».

إلى جانب الاعتداء الجسدي، وصف 36 صحفيًا، أي ما يقارب ثلثي العدد، تعرضهم لأوضاع إجهاد قسري.

وأشار أحد عشر صحفيًا إلى استخدام أسلوب يُعرف باسم «الشبح (سترابادو)»، أو ما أسماه الصحفيون الفلسطينيون «الشنق الوهمي»، حيث يُعلق الشخص من ذراعيه، ويُربط خلف ظهره، ثم يُسحب إلى أعلى. وقال آخرون إنهم أُجبروا على الركوع أو الاستلقاء على وجوههم لساعات، بالإضافة إلى تقييدهم تحت المطر وأشعة الشمس المباشرة ومياه الصرف الصحي.

وقال الصحفي سامي الساعي إن الجنود استهدفوا موقع جراحة كلى أجراها مؤخرًا رغم إبلاغه لهم بالعملية.وقال عماد إفرنجي للجنة حماية الصحفيين: «لقد عدنا من الجحيم»، مستخدمًا المصطلح الذي استخدمه معتقلون آخرون لوصف قسم في سجن سْدي تيمان.

«غرفة الديسكو» 

خلصت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التي تراقب الامتثال لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، إلى أن استخدام الموسيقى الصاخبة أو الضوضاء لفترات طويلة قد يُعد تعذيبًا بموجب المادة 1 من الاتفاقية عندما يُسبب معاناة جسدية أو نفسية شديدة، لا سيما عند اقترانه بممارسات قسرية أخرى.

وأفاد ما لا يقل عن 14 صحفيًا للجنة حماية الصحفيين بتعرضهم لفترات طويلة لأصوات عالية، بما في ذلك الموسيقى المُضخّمة باستمرار، مما أدى إلى حرمانهم من النوم واضطراب حسي في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية، وخاصة في سجن سْدي تيمان، وهي ممارسة وثّقتها أيضًا منظمات حقوقية أخرى. ووصفت شهادات أخرى نباح الكلاب على مدار الساعة، والذي قالوا إنه فاقم معاناتهم النفسية.

وأفاد سبعة صحفيين على الأقل، من بينهم عبد العال، باحتجازهم لأيام فيما وصفوه بـ«غرف الديسكو»، حيث كانت مكبرات الصوت تُشغّل الموسيقى بكثافة عالية لدرجة استحال معها النوم. أفاد الصحفي المستقل حاتم حمدان، الذي أُعيد اعتقاله في 5 فبراير/شباط 2026، بأنه احتُجز لمدة تسع ساعات تقريبًا في مركبة مخصّصة لنقل السجناء،  فيما كانت موسيقى صاخبة بالعبرية تُبث بلا انقطاع.

الصحفية لمى خاطر قالت بأنها خضعت للتحقيق وهي معصوبة العينين، بينما أرغمت على الاستماع إلى أفلام وثائقية عن هجمات حماس وفصائل فلسطينية مسلحة أخرى على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبل بدء التحقيق.

كما قال كل من أسامة السيد ويوسف شرف وعماد إفرنجي إن قنابل صوتية شديدة الانفجار استخدمت أثناء احتجازهم، وذلك عقب اعتقالهم في مجمع الشفاء الطبي.

الإهمال الطبي

برز الإهمال الطبي كأحد أكثر أشكال الإساءة انتشارًا، وغالبًا ما يُفاقم الإصابات التي يُزعم أنها ناجمة عن الضرب أو الاستجواب. وثّقت لجنة حماية الصحفيين 27 حالة إهمال طبي، وفي عدة حالات، تواطؤ العاملين الصحيين في العنف ضد المحتجزين.

قال الصحفي يوسف شرف إن جروحًا ناجمة عن الضرب المتكرر التهبت بسبب سوء الأوضاع الصحية في السجون، مما أدى إلى تكوّن خراجات في أنحاء جسده. وأضاف أنه بعد حرمانه من الرعاية الطبية من سلطات السجن، قام محتجز آخر، هو الدكتور ناهد أبو طعيمة، وهو جراح مسجون من مجمع ناصر الطبي، بإجراء عمليات جراحية مرتجلة باستخدام ما اعتقد المحتجزون أنه مبيض تنظيف.

Images show some of the injuries journalist Shadi Abu Sido reported sustaining while in prison.
صور تُظهر بعض الإصابات التي أفاد الصحفي شادي أبو سيدو بتعرّضه لها أثناء وجوده في السجن. (الصورة: بإذن من عائلة شادي أبو سيدو)

أبلغ الصحفي ثائر فاخوري لجنة حماية الصحفيين عن إصابته بجروح بالغة في عينه أثناء تعرضه للضرب في مركزي احتجاز عتصيون وعوفر، مما أدى إلى فقدانه البصر مؤقتًا لمدة 20 يومًا تقريبًا، وذكر أنه مُنع من تلقي العلاج الطبي. وبالمثل، أبلغ محمد عماد سلطان، قبل مقتله في غارة جوية إسرائيلية غرب غزة بعد إطلاق سراحه، عن إصابات في عينيه وحرمانه من الرعاية الطبية.

كما وثّقت لجنة حماية الصحفيين تقارير عن انتشار الجرب، والطفح الجلدي غير المبرر، والدمامل، وخياطة الجروح دون تخدير، وعدم معالجة كسور العظام وإصابات العين، ونوبات الربو، والإهمال المتعمد للحالات الصحية الخطيرة الموجودة مسبقًا والمستجدة. كما وصف الصحفيون ظروفًا معيشية غير صحية، ونقصًا مزمنًا في الغذاء، وانعدامًا تامًا للمنتجات الصحية النسائية.

وقال العديد منهم إنهم تجنبوا الطاقم الطبي تمامًا، قائلين إن الأطباء أنفسهم مارسوا الإساءة أو تغاضوا عنها.أخبر عبد المحسن شلالده لجنة حماية الصحفيين ومركز تضامن أنه أُصيب بحروق من سجائر مشتعلة أُطفئت على جسده العاري. وعندما أبلغ الطبيب المعالج في مركز الاحتجاز عن الإساءة، أجابه الطبيب: «لا بأس، لا مشكلة». وروى صحفي آخر كان محتجزًا رد طبيب على إصابة خطيرة بقوله: «لماذا اتصلت بي إن لم يكن قد مات بعد؟»

التجويع

يحظرالقانون الإنساني الدولي صراحةً استخدام التجويع كوسيلة للعقاب أو الإكراه في مراكز الاحتجاز. وقد وجدت لجنة حماية الصحفيين أن الحرمان من الطعام وُصف مرارًا وتكرارًا ليس فقط بأنه معاناة جسدية، بل كأداة تُستخدم لكسر معنويات المحتجزين.

وقد أفاد 55 صحفيًا من أصل 59 صحفيًا تمت مقابلتهم بمعاناتهم من جوع شديد أو سوء تغذية. وقدّرت اللجنة متوسط ​​فقدان الوزن بـ 23.5 كيلوغرامًا (54 رطلًا) بين المجموعة من خلال مقارنة أوزان الصحفيين قبل وبعد الاحتجاز.

تُظهر الصور التي قُدّمت للجنة تحولاتٍ جذرية، حيث يظهر الصحفيون بوجوهٍ شاحبة، وأضلاعٍ بارزة، وخدودٍ غائرة.

قال أحمد شقورة إنه فقد 54 كيلوغرامًا (119 رطلًا) خلال 14 شهرًا قضاها رهن الاحتجاز الإسرائيلي في سجني كتسيعوت والجلمة. ووصف آخرون عيشهم على الخبز المتعفن والطعام الفاسد، وبكمياتٍ غير كافية من الطعام عمومًا.

وفي السياق ذاته ذكرت الصحفية أشواق عياد إنها  فقدت أكثر من 15 كيلو غرامًا (33 رطلًا)، وبدأت تتقيأ دمًا بعد حرمانها من الغذاء والعلاج المناسبين لحالة طبية سابقة.

وخلال فصل الشتاء، أجبر نقص الملابس الصحفيين على التنازل عن بعض احتياجاتهم، إذ قال أحد الصحفيين عبد الحميد حمدونة إنه استبدل حصته من الطعام بقميص.وصرح وزير الأمن القومي الإسرائيلي، بن غفير، في يوليو/تموز 2025: «أنا هنا لأضمن حصول ‘الإرهابيين’ على الحد الأدنى من الغذاء». ورغم أن المحكمة العليا الإسرائيلية قضت في سبتمبر/أيلول بأن التجويع المتعمّد غير قانوني، إلا أن الصحفيين الذين أُفرج عنهم في الأشهر الأخيرة يقولون إنهم لم يلمسوا أي تحسن.

العنف الجنسي

تتكرر شهادات الصحفيين حول العنف الجنسي، الذي وثقته منظمات حقوقية أخرى في السجون الإسرائيلية، حيث يصفون اعتداءات تهدف إلى إذلالهم وترويعهم وإلحاق ندوب دائمة بهم.

في ديسمبر/كانون الأول 2025، زعمت الصحفية الألمانية آن ليدتك، التي تم احتجازها على متن أسطول متوجه إلى غزة، أن جنودًا إسرائيليين اغتصبوها أثناء احتجازها. ووجه الصحفي الإيطالي فينتشنزو فولوني والناشطة الأسترالية سوريا ماكوين اتهامات مماثلة.

كما أبلغ اثنان من بين الـ59 صحفيًا فلسطينيًا لجنة حماية الصحفيين بتعرضهما للاغتصاب أثناء الاحتجاز.

قال الصحفي سامي الساعي إنه اقتيد إلى زنزانة صغيرة في سجن مجيدو، حيث جرده الجنود من سرواله وملابسه الداخلية، واعتدوا عليه بالهراوات وأدوات أخرى. ويتذكر الساعي أنه لم يتحدث عن هذا الاغتصاب أثناء احتجازه، قائلاً: «لم أتحدث إلى أي شخص داخل السجن عما حدث، باستثناء اثنين من كبار المحتجزين الذين يقبعون في السجن منذ 25 عامًا». قال الساعي إنه دخل في حالة نفسية شديدة، ولم يتمكن من الخروج منها إلا بعد سماعه شهادات معتقلين آخرين. وأضاف: «التزمت الصمت قرابة شهرين، لكنني قررت في النهاية أن أتحدث عما حدث لي.»

Sami al-Sai before and after his arrest by Israeli authorities.
سامي الساعي قبل وبعد اعتقاله على يد السلطات الإسرائيلية. (الصورة: بإذن من سامي الساعي)

وقال صحفي آخر، أسامة السيد، إنه وآخرين من المعتقلين جُردوا من ملابسهم وتعرضوا لهجوم من كلاب مدربة في سجن سْدي تيمان. ووصف الحادثة بأنها اغتصاب، مضيفًا أن الجنود ضحكوا أثناء تصوير الاعتداء.

في المجمل، وثّقت لجنة حماية الصحفيين 17 شهادة صحفية تتعلق بالعنف الجنسي، و19 شهادة أخرى تصف عمليات تفتيش مهينة. وشملت الأفعال المزعومة الاعتداء على الأعضاء التناسلية للصحفيين، ومحاولة الإيلاج القسري بأشياء، والإجبار على التعري والتصوير، والتهديد بالاغتصاب، وغيرها من أساليب الإكراه الجنسي.

Thirty Palestinian journalists have been detained at Israel's Ofer military prison complex, located between Ramallah and Beitunia in the occupied West Bank.
احتُجز ثلاثون صحفيًا فلسطينيًا في مجمع سجن عوفر العسكري الإسرائيلي، الواقع بين رام الله وبيتونيا في الضفة الغربية المحتلة. (الصورة: وكالة فرانس برس/زين جعفر)

التهديدات

أكد عدد من الصحفيين للجنة حماية الصحفيين أنهم استُهدفوا بشكلٍ صريح بسبب عملهم.

قال محمد بدر إن محققين استجوبوه لساعات حول عمله الصحفي، وخيّروه بين أن يصبح مخبرًا أو البقاء في السجن لمدة أطول.

قال الصحفي محمد بدر إنه تعرّض للضرب بعنف شديد ما أدى إلى جرح لسانه، ولم يتمكّن من الكلام أو الأكل إلا بصعوبة لمدة أسبوعين. وفي تصريح للجنة حماية الصحفيين قال بأنه فقد 40 كيلوغرامًا من وزنه خلال 10 أشهر من الاعتقال. (الصورة: بإذن من محمد بدر)

كما أفاد أمين بركة إنه خضع للاستجواب مرارًا وتكرارًا بسبب عمله مع قناة الجزيرة القطرية، وهُدِّد بالعنف ضد عائلته. وأضاف «أخبرني جندي إسرائيلي، حرفيًا باللغة العربية، أن مراسل الجزيرة وائل الدحدوح تحدانا وبقي في قطاع غزة، فقتلنا عائلته، وسنقتل عائلتكم أيضاً.»
فيما قال محمد الأطرش إنه قبل إطلاق سراحه من السجن، حُذِّر من العمل في مجال الصحافة، مؤكدًا «قالوا لي إنك إذا كتبتَ حتى كلمة «صباح الخير» على حساباتك في مواقع التواصل الاجتماعي، فسوف نكتشف أمرك».

أما أسامة السيد فقد أشار إلى إنه خلال فترة احتجازه كان الجنود ينادونه بـ«الجزيرة». وأشار إلى تعرضه لإساءة معاملة شديدة عندما أعلن أنه صحفي. أوضح السيد أنه أثناء اعتقاله قال للجنود: «أنا صحفي، وعندها تعرضت للضرب المبرح». وقال شادي أبو سيدو، الذي اعتُقل أثناء تصويره، إن الجندي الذي اعتقله قال له: «ستتعلم معنى الصحافة في تل أبيب».

غياب المساءلة

لم يستجب الجيش الإسرائيلي لطلبات لجنة حماية الصحفيين المتكررة للتعليق على مزاعم محددة من قبل الصحفيين، بل طلب أرقام هويات وإحداثيات جغرافية لا تقوم اللجنة بجمعها أو تقديمها. وعند السؤال عن مزاعم الاعتداء الجسدي والجنسي والتجويع، وعن عملية التحقيق والمساءلة، قال متحدث باسم الجيش: «يتم التعامل مع الأفراد المحتجزين وفقًا للقانون الدولي»، مضيفًا أن القوات المسلحة «لم ولن تستهدف الصحفيين عمدًا قط»، وأن أي انتهاكات للبروتوكول «سيتم التحقيق فيها.»

كما راسلت لجنة حماية الصحفيين مصلحة السجون الإسرائيلية بشأن هذه المزاعم. وردت المصلحة قائلةً: «جميع السجناء محتجزون وفقًا للقانون»، وأن «جميع الحقوق الأساسية مصونة بالكامل من قبل حراس سجون مدربين تدريبًا مهنيًا». وأضافت المصلحة أنها لم تكن على علم بالمزاعم المذكورة، وأنه على حد علمها «لم تحدث مثل هذه الأحداث»، لكنها أشارت إلى أن «للسجناء والمحتجزين الحق في تقديم شكوى سيتم فحصها ومعالجتها بالكامل من قبل السلطات الرسمية».

Journalist Rami Abu Zubaida told CPJ he lost 35 kilograms over his year held in Israeli detention facilities.
صرّح الصحفي رامي أبو زبيدة للجنة حماية الصحافيين بأنه فقد 35 كيلوغرامًا من وزنه خلال عام من احتجازه في مرافق الاعتقال الإسرائيلية. (الصورة: بإذن من رامي أبو زبيدة)

مع ذلك، تُفيد منظمات حقوق الإنسان بأن آليات تقديم الشكاوى هذه غير فعّالة إلى حد كبير، بل إنها في بعض الحالات تُعرّض المحتجزين لمزيد من الأذى. وقد صرّحت الصحفية فرح أبو عياش، في شهادةٍ نشرها محاميها، والتي لم تُجرِ معها لجنة حماية الصحفيين مقابلةً نظرًا لاستمرار سجنها، بأن جنديًا صفعها فور اعتقالها وأجبرها على تقبيل العلم الإسرائيلي. وقالت أبو عياش إنها قدّمت شكوى ضد الجندي المعني، إلا أن ظروف السجن تدهورت، ووُضعت في الحبس الانفرادي لأكثر من 50 يومًا، وتعرّضت للضرب المبرح والتجويع بشكلٍ روتيني. وقد راسلت لجنة حماية الصحفيين مصلحة السجون الإسرائيلية عبر البريد الإلكتروني لمتابعة الشكوى التي قالت أبو عياش إنها قدّمتها، لكنها لم تتلقَّ أي رد.

كما أفاد صحفيون على نطاق واسع بعدم السماح لهم بالتواصل مع محاميهم، وهي تجربةٌ تعكسها إلى حد كبير تقارير منظمات حقوقية أخرى. وقال 21 صحفيًا على الأقل إنهم حُرموا من التمثيل القانوني الكافي، بينما ذكر 17 منهم أنهم مُنعوا من التحدث إلى محامٍ على الإطلاق. وقال أربعة آخرون إنهم سُمح لهم بمقابلة محامٍ مرةً واحدةً فقط، لبضع دقائق، وفي ظروفٍ غير خاصة.

في بيان مشترك صدر في أبريل/نيسان 2024 بين لجنة حماية الصحفيين ومكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، لوحظ أن بعض الصحفيين المحتجزين مُنعوا من التواصل مع محاميهم وعائلاتهم، مما أدى إلى عزلتهم طوال فترة احتجازهم الإداري، وقوّض تمثيلهم القانوني.

إضافةً إلى ذلك، ورغم أن التمثيل القانوني يُقدّم رسميًا من خلال هيئة شؤون المحتجزين التابعة للسلطة الفلسطينية، إلا أن النظام يبدو مُرهقًا. فقد أفادت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بأن أربعة محامين فقط مُكلّفون بقضايا الاحتجاز الإداري، ويتولى كل منهم قضايا ما يقارب 900 محتجز.

منظومة الإفلات من العقاب ليس حالة استثنائية

إنّ مزاعم التعذيب وسوء المعاملة والعنف في السجون الإسرائيلية ليست جديدة، ولا تقتصر على الصحفيين. فقد وثّقت منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية، على مدى سنوات، أنماطًا من الانتهاكات ضدّ المعتقلين الفلسطينيين المدنيين، بمن فيهم الصحفيون. وأفاد تقرير حديث صادر عن منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل بوفاة ما لا يقل عن 90 فلسطينيًا في الحجز الإسرائيلي، وفقًا للمنظمة، وهو ما يرقى إلى مستوى التعذيب بموجب المادة 1 من اتفاقية مناهضة التعذيب، فضلًا عن الإهمال الطبي.

في أوائل عام 2025، أظهرت لقطات مسربة من كاميرات المراقبة في معسكر اعتقال سْدي تيمان، ما بدا وكأنه اعتداءات جنسية من قبل جنود على معتقلين، الأمر الذي أثار فضيحة وطنية. وقد بثّ الصحفي الإسرائيلي غاي بيليغ هذه اللقطات، والذي أفاد منذ ذلك الحين بتعرضه للتهديدات والمضايقات.

تشير الشهادات التي جمعتها لجنة حماية الصحفيين إلى أن ما عاناه الصحفيون الفلسطينيون خلال العامين الماضيين ليس نتيجة لأفراد مارقين، بل هو نمط ممنهج من ممارسات الاعتقال يعتمد على العنف والإذلال والحرمان لترهيب الصحفيين وقمع التقارير الواردة من غزة والضفة الغربية.

رولا حسانين قبل وبعد عشرة أشهر من الاحتجاز. (الصورة: بإذن من رولا حسانين)

«هذه ليست حوادث معزولة»، صرّحت سارة القضاة، المديرة الإقليمية للجنة حماية الصحفيين. «في عشرات الحالات، وثّقت اللجنة سلسلة متكررة من الانتهاكات – من الضرب إلى التجويع، والعنف الجنسي، والإهمال الطبي – التي تستهدف الصحفيين بسبب عملهم. تكشف هذه الانتهاكات عن استراتيجية مُتعمّدة لترهيب الصحفيين وإسكاتهم، وتدمير قدرتهم على الشهادة. إن استمرار صمت المجتمع الدولي لا يُسهم إلا في ترسيخ هذه الاستراتيجية.»

يثير حجم هذه الانتهاكات الموثقة، وتكرارها، وخطورتها، تساؤلات جدية بموجب القانون الدولي، بما في ذلك انتهاكات محتملة لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، والمادة 79 من اتفاقيات جنيف التي تحمي الصحفيين.

يتطلب كسر هذه الحلقة المفرغة أكثر من مجرد إطلاق سراح الصحفيين الفلسطينيين الثلاثين الذين ما زالوا محتجزين في السجون الإسرائيلية، والذين لم يُدرجوا في هذا التقرير. من بين هؤلاء، لم تُوجّه أي تهم إلى 25 صحفيًا.

في حين أن حرب إسرائيل وغزة تتسم بتداعيات سياسية وعسكرية وإنسانية عميقة، فإن هذا السياق لا يُقلّل من ضرورة معالجة المخاطر الخاصة التي يواجهها الصحفيون الفلسطينيون. يجب على إسرائيل السماح للمراقبين الدوليين المستقلين، بمن فيهم المقررون الخاصون للأمم المتحدة، بالوصول إلى مراكز الاحتجاز وإجراء تحقيقات شفافة ونزيهة في جميع الادعاءات. ويجب على المجتمع الدولي كسر صمته والضغط من أجل المساءلة وضمان عدم إفلات انتهاكات القانون الدولي من العقاب، وعدم جعل تكلفة الإبلاغ باهظة.

ملخص المنهجية

يستند هذا التقرير إلى مقابلات معمقة أجراها فريق البحث التابع للجنة حماية الصحفيين مع 59 صحفيًا فلسطينيًا أُفرج عنهم من مراكز الاحتجاز الإسرائيلية بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ويناير/كانون الثاني 2026. أُجريت المقابلات عبر الهاتف وخدمات المراسلة الإلكترونية، وتم تدوينها حرفيًا. طُرحت على المشاركين أسئلة موحدة تغطي ظروف اعتقالهم، وظروف احتجازهم، ووضعهم القانوني، والانتهاكات المزعومة، وتأثيرها على صحتهم. عُرض على المُقابلين ضمان عدم الكشف عن هويتهم، وقدموا، حيثما أمكن، وثائق تدعم أقوالهم، مثل الصور والتقارير الطبية والوثائق القانونية. تم تحليل الادعاءات المُبلغ عنها بشأن الانتهاكات والتعذيب لرصد أنماط مشتركة بين شهادات متعددة، ومقارنتها بالتقارير المتاحة علنًا والوثائق السابقة الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان.

تحققت لجنة حماية الصحفيين من المعلومات التي جُمعت من مصادر متعددة. حيثما أمكن، تمت مقارنة الشهادات بالوثائق التي قدمها المُقابلون، ومصادر عامة تم التحقق منها بشكل مستقل، بما في ذلك التقارير الإعلامية، ووثائق حقوق الإنسان السابقة، وسجلات طبية محدودة. كما يعكس التقرير التواصل مع السلطات الإسرائيلية من خلال طلبات حق الرد، ويوثق الردود التي تم تلقيها والحالات التي لم يتم فيها تقديم أي رد. تضمن هذه المنهجية الشفافية في كلٍ من جمع المعلومات بشكل منهجي والتحقق من الادعاءات، مع الإقرار بالقيود الناجمة عن محدودية الوصول، والمخاوف الأمنية، ونقص الأدلة الوثائقية.

تستخدم لجنة حماية الصحفيين مصطلح «التعذيب» في هذا التقرير لتعكس اللغة المستخدمة من قبل المحتجزين ومنظمات حقوق الإنسان. ولا تُصدر اللجنة أحكامًا قانونية، بل تُقدّم تقاريرًا عن الروايات الموثقة، والأنماط، وتقييمات الخبراء.


راما سبانخ باحثة في لجنة حماية الصحفيين لشؤون بلاد الشام منذ نوفمبر 2025. لاجئة فلسطينية من الجيل الثالث مقيمة في عمّان، الأردن. حاصلة على ماجستير في دراسات الحرب من كلية كينغز، لندن، وبكالوريوس في السياسة والاقتصاد من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS)، جامعة لندن. تركّز راما في مسارها الأكاديمي والمهني على الجغرافيا السياسية وتاريخ المنطقة، وقد عملت مع مجموعة من وسائل الإعلام المستقلة كمساهمة حرة، ومحررة أولى، وباحثة، ومنتجة. عملت راما باللغتين الإنجليزية والعربية عبر منصات إعلامية متعددة، وتعاونت بشكل وثيق مع مجموعات شعبية تدافع عن حقوق المرأة، وحقوق المثليين، وحقوق العمال

محمد عثمان باحث في لجنة حماية الصحفيين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع التركيز على غزة والضفة الغربية. يعمل في مجال الإعلام منذ عام 2009، متخصصًا في الصحافة الاستقصائية، بالإضافة إلى تغطيته للأخبار لمجموعة حرية الصحافة الإقليمية سكايز (SKeyes).

خلود مصالحة باحثة متعاونة مع لجنة حماية الصحفيين لشؤون إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة وباحثة تتمتع بخبرة سنوات في قضايا حرية الصحافة وحرية التعبير.