واشنطن العاصمة، 6 مايو 2026 — منذ اندلاع حرب إيران في أواخر فبراير/شباط, وثّقت لجنة حماية الصحفيين حملة (CPJ) حملة تضييق على الصحافة في مختلف دول الخليج، كما رصدت حالات غير معلنة من الاعتقال والترهيب، إضافة إلى إجراءات قانونية ومالية استهدفت الصحفيين والمؤسسات الإعلامية التي يعملون بها. ويمثل هذا التصعيد تهديدًا كبيرًا وغير مُسلَّط عليه الضوء بما يكفي لحرية الصحافة في دول الخليج، حيث كانت الحريات الإعلامية أصلًا تعاني من قيود شديدة.
وقد امتنع كثير من الصحفيين والمؤسسات الإعلامية عن الإفصاح عن هذه الحوادث علنًا، خشيةً التعرّض لمزيد من الإجراءات الانتقامية من قبل السلطات. وتحذّر اللجنة من أن هذا الواقع يكشف عن حملة قمع متنامية تعيد تشكيل طريقة تغطية الحرب مع إيران،يشير إلى اتساع نطاق حملة التضييق، بما يعيد تشكيل الطريقة التي تُغطّى بها الحرب مع إيران، بل وحتى إمكانية تغطيتها من الأساس. وبينما قد تكون القيود المفروضة على التغطية الإعلامية أثناء النزاعات المسلحة مبرَّرة أحيانًا لحماية تحركات القوات أو لضمان فعالية العمليات العسكرية، فإن القيود الحالية تتجاوز بكثير ما يمكن اعتباره مخاوف أمن قومي مشروعة.
وبدلًا من التركيز على السرية التكتيكية، تستخدم هذه الإجراءات الجديدة عبارات فضفاضة لتجريم التغطية الإعلامية التي تُعتبر مُقوِّضة لـ»الروايات الرسمية للدولة« أو لـ»المعنويات العامة«. ومن خلال استهداف الصحفيين ليس بسبب كشفهم أسرارًا، بل بسبب نشرهم معلومات موثقة ومتاحة للعامة، تتجاوز السلطات المبررات الأمنية التقليدية لفرض نوع من الامتثال الأيديولوجي وفرض الرواية الرسمية.
وقالت سارة القضاة، المديرة الإقليمية للجنة حماية الصحفيين: »ما هو معروف للعلن لا يمثل سوى قمة جبل الجليد. فإلى جانب الحالات التي نستطيع تأكيدها علنًا، هناك عدد متزايد من الانتهاكات التي لا يُبلّغ عنها، بعدما أسكتها الخوف من مزيد من الانتقام. إن مناخ الترهيب هذا يدفع الصحفيين إلى ممارسة الرقابة الذاتية، ويخنق تدفق الحقيقة من منبعها. ولا يمكننا السماح بأن يصبح هذا الوضع أمرًا طبيعيًا. يجب على الحكومات أن تتحرك الآن لحماية حرية الصحافة، وضمان المساءلة، وتهيئة بيئة تُمكّن الصحفيين من العمل دون خوف.«
وفي صميم هذه الأزمة تكمن سابقة تاريخية مقلقةتتمثل في الخشية من ألا تُلغى هذه القيود الطارئة المفروضة في زمن الحرب بعد توقف القتال. فالتاريخ يُظهر أن القوانين التي تُسنّ خلال الأزمات — مثل »قانون السلامة الوطنية« في البحرين عام 2011 الذي أرسى بنية قانونية للرقابة استمرت طويلًا بعد انتهاء حالة الطوارئ، أو قانون مكافحة الإرهاب في السعودية لعام 2014، الذي وسّع تعريف »الإرهاب« ليُستخدم بشكل دائم في تجريم المعارضة السلمية — كثيرًا ما تتجاوز الغرض الذي وُضعت من أجله أصلًا، لتتحول إلى أدوات دائمة تُستخدم لقمع الأصوات المعارضة حتى في أوقات »السلم«.
أنماط متقاطعة من الاعتقالات والتُهم
من الكويت إلى البحرين والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر، اعتمدت السلطات، منذ اندلاع الحرب، على مبررات متشابهة بشكل لافت لاحتجاز الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي. وتشترك هذه القضايا بصورة متكررة في معاقبة الأفراد والمؤسسات الإعلامية بسبب أنشطة صحفية اعتيادية، مثل التصوير الفوتوغرافي أو التصوير المرئي أو نشر معلومات تتعلق بأحداث تجري على مرأى من الجميع وفي أماكن عامة.
وقال عبد الله العودة، المستشار الأول لسياسات شؤون الخليج في في اللجنة الأمريكية لحقوق الشرق الأوسط، للجنة حماية الصحفيين »لقد كشفت الحرب عن الرقابة القائمة أصلًا داخل دول الخليج، لكن الأنظمة الملكية الخليجية استغلتها أيضًا لتوسيع نطاق القمع.«

كما تكشف التهم الموجهة في هذه القضايا عن نمط واضح ومتكرر. فقد دأبت السلطات على استخدام نصوص قانونية فضفاضة وغامضة التعريف، مثل »نشر معلومات كاذبة«، و»الإضرار بالأمن القومي«، و »إساءة استخدام وسائل الاتصال«، إلى جانب تهم تتند إلى قوانين الجرائم الإلكترونية أو مكافحة الشائعات. وفي حالات كثيرة، تُوجَّه هذه التهم في آنٍ واحد، مما يمنح جهات الادعاء سلطة تقديرية واسعة في قضايا تتعلق غالبًا بمواد موثقة أو متاحة للعامة.
في عدد من الحالات الموثقة، احتُجز صحفيون دون أن يُتاح لهم الحصول الفوري على مستشار قانوني، أو التواصل مع ذويهم، أو جرى احتجازهم لفترات طويلة قبل توضيح التهم الرسمية الموجّهة إليهم. كما أُفرج عن آخرين بشروط تقييدية، بما في ذلك أحكام مع وقف التنفيذ أو التزامات مرتبطة بـ»حسن السلوك«، ما يعرّضهم لاحتمال إعادة الملاحقة القضائية.
أوجه التشابه الإقليمية في أساليب التطبيق
تُظهر دول الخليج حساسية عالية تجاه تدفق المعلومات غير المنضبط، ويرتبط ذلك جزئيًا بنماذجها الاقتصادية التي تعتمد على تسويق صورة الاستقرار المطلق لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية والسياحة. فبالنسبة لمراكز مثل دبي والدوحة، قد تُشكّل مقاطع اعتراض الصواريخ تهديدًا لما يُعرف بـ»علامة السلامة« التي تُسوَّق بها هذه المدن. وفي حين يرى منتقدون أن هذه الدول تتخذ من الحرب ذريعةً لتوسيع قوانين الجرائم الإلكترونية المقيّدة أصلًا، فإن ثمة منطقًا عسكريًا ملموسًا لا يمكن إغفاله: ففي عصر الضربات الدقيقة، يمكن لمقاطع الفيديو المنتشرة على نطاق واسع أن تعمل كـ»تقييم فوري لأضرار المعارك« ، ما يتيح للخصوم إعادة ضبط استهدافهم. وولا يُعد هذا النهج حصرًا على المنطقة؛ إذ تفرض دول أخرى، من بينها إسرائيل وأوكرانيا، قيودًا صارمة على الإعلام وقواعد أمن عمليات (OPSEC)، بحجة أن حماية البنية التحتية ومنع الذعر الجماعي قد تتقدم مؤقتًا على حرية التغطية الإعلامية المستقلة أثناء النزاعات المسلحة.
يوفّر القانون الدولي إطارًا صارمًا لهذه القيود. فبموجب المادة التاسعة عشرة، الفقرة الثالثة، من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يجب أن يكون أي تقييد لحرية الصحافة »ضروريًا ومتناسبًا« لتحقيق هدف أمني محدد.وفي بعض الأنظمة القضائية الأخرى، تُدار هذه المعادلة الدقيقة عبر آليات أكثر تحديدًا بكثير من حملات التضييق الواسعة التي تُلاحظ حاليًا في دول الخليج. فعلى سبيل المثال، في الولايات المتحدة، أرسى حكم المحكمة العليا في قضية »وثائق البنتاغون« مبدأً يقضي بأن على الحكومة إثبات أن النشر سيتسبب في »ضرر مباشر وفوري ولا يمكن تداركه« لتبرير منع الصحافة من النشر. كما تؤكد هيئات حقوق الإنسان، مثل مجلس أوروبا، أن هذه القواعد لا يجوز توظيفها ذريعةً للتخويف من النقاش العام المشروع أو احتجاز الصحفيين بسبب نشرهم معلومات موثقة متاحة للعامة.
»ما هو معروف للعلن لا يمثل سوى قمة جبل الجليد. فإلى جانب الحالات التي نستطيع تأكيدها علنًا، هناك عدد متزايد من الانتهاكات التي لا يُبلّغ عنها، بعدما أسكتها الخوف من مزيد من الانتقام. إن مناخ الترهيب هذا يدفع الصحفيين إلى ممارسة الرقابة الذاتية، ويخنق تدفق الحقيقة من منبعها. ولا يمكننا السماح بأن يصبح هذا الوضع أمرًا طبيعيًا. يجب على الحكومات أن تتحرك الآن لحماية حرية الصحافة، وضمان المساءلة، وتهيئة بيئة تُمكّن الصحفيين من العمل دون خوف.« – سارة القضاة، المديرة الإقليمية للجنة حماية الصحفيين
تصاعدت القيود بوتيرة متسارعة عقب اندلاع الحرب مع إيران، إذ سعت الكويت، وهي حليف رئيسي من خارج حلف الناتو، شأنها شأن العديد من جيرانها الخليجيين، إلى الحد من التغطية الإعلامية المتعلقة بدور البلاد في الحرب، وذلك باسم الأمن القومي.
فقد أعلنت وزارة الداخلية الكويتية في 28 فبراير/شباط إنه ينبغي للجمهور الامتناع عن تصوير اعتراض الصواريخ، ونشر هذه المقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك تصوير أفراد الأمن أثناء أداء مهامهم، داعيةً المواطنين إلى الاعتماد على المصادر الرسمية. لكن هذا الموقف تشدد سريعًا. فبعد أسبوعين، أصدرت الحكومة المرسوم بقانون رقم 13، الذي يفرض عقوبات تصل إلى السجن لمدة 10 سنوات على نشر معلومات تتعلق بالجهات العسكرية إذا اعتُبرت قادرة على »تقويض الثقة العامة«. وفي وقت لاحق من الشهر نفسه، أنشأت محكمة متخصصة بقضايا أمن الدولة والإرهاب بهدف »البت في القضايا بسرعة عالية«.وقد بررت السلطات الكويتية هذه الإجراءات بأن مثل هذه المحاكم »ضرورية بسبب الخطر الشديد الذي يشكله الإرهاب على الاستقرار والأمن الوطنيين«.

تُعدّ القضية الأبرز في ظل هذه القوانين الجديدة قضية الصحفي الأمريكي الكويتي الحائز على جوائز دولية أحمد شهاب الدين، الذي احتُجز لأكثر من 52 يومًا خلال زيارته لأسرته في الكويت. وقبيل اعتقاله، كان الصحفي قد شارك مقطع فيديو محدد الموقع الجغرافي، تم التحقق من صحته ونشره من قبل شبكة سي إن إن، يُظهر سقوط طائرة مقاتلة أمريكية قرب قاعدة جوية أمريكية في الكويت. لكنه لم يقم بنفسه بتصوير الحادث أو بأي عمل صحفي ميداني خلال تلك الفترة. وقد بُرّئت ساحته لاحقًا من تهمة نشر معلومات كاذبة، غير أن النيابة لم تفصح بعد عن موقفها من سائر التهم الموجهة إليه، ومنها تهمة الإضرار بالأمن الوطني التي قد تصل عقوبتها إلى 10 سنوات سجنًا.
وعقب الإفراج عنه، أقدمت السلطات على إسقاط جنسيته، وعلق شهاب الدين بعد إطلاق سراحه: »أنا حرّ—لكن كثيرين ما زالوا خلف القضبان«.
وتسلط هذه القضية الضوء لاستخدام المتزايد للأدوات القانونية التي تتجاوز نطاق الملاحقة الجنائية لتشمل إجراءات عقابية طويلة الأمد، في مقدمتها إسقاط الجنسية. فمنذ أكتوبر/تشرين الأول 2024، بدأت السلطات باستخدام أسلوب التجريد من الجنسية كأداةً لإسكات المعارضة وقمع الأصوات الناقدة بصورة متزايدة. وقد طال هذا الإجراء أكثر من 71 ألف شخص، أي ما يعادل نحو 4.6 بالمئة من إجمالي المواطنين البالغ عددهم أكثر من مليون ونصف مليون نسمة، وذلك حتى أبريل/نيسان 2026. وفي حين استندت السلطات في تبرير إسقاط جنسية شهاب الدين إلى قانون الجنسية الكويتي الذي يحظر ازدواج الجنسية، رأى سلطان العامر، الباحث المنتسب إلى مركز الدراسات الشرق أوسطية بجامعة هارفارد، أن “هذا القانون جرى تسييسه وتحويله إلى سلاح موجه ضد المعارضة السياسية.”
وبالإضافة إلى الأثر الشخصي الجسيم، فإن إسقاط الجنسية عن الصحفيين قد يعني أيضًا فقدان الحق امتلاك أو الحصول على ترخيص إعلامي. ففي أغسطس/آب 2025، ألغت السلطات تراخيص صحيفة الصباح وقناتها التلفزيونية، وذلك في أعقاب تجريد الدكتور بركات هديبان الراشدي، رئيس التحرير والمالك، من جنسيته الكويتية. وتلت ذلك جملة من القيود الإضافية التي فرضها المرسوم بقانون رقم 13، من بينها حظر نشر أي تفاصيل تتعلق بالقضايا الأمنية المنظورة أمام محكمة أمن الدولة الكويتية أو تداولها، وهي القضايا التي تطال أفرادًا نشطين على منصات التواصل الاجتماعي. وقد أكد محلل سياسي كويتي للجنة حماية الصحفيين أن قضية أحمد شهاب الدين كانت ضمن القضايا التي يسري عليها هذا الحظر، مما يُفسر غياب أي تغطية إعلامية كويتية لقضيته على الرغم من الاهتمام الدولي الواسع في كبرى وسائل الإعلام العالمية.

وفي السادس عشر من أبريل، أعلنت وزارة الإعلام الكويتية إحالة سبع مؤسسات إعلامية إلى النيابة العامة، مشيرةً إلى »مخالفات صريحة« تمثلت في نشر معلومات غير دقيقة وتداول أخبار دون التحقق منها من السلطات الرسمية.
وكانت القيود المفروضة على الصحافة وحرية التعبير في الكويت قد اشتدت في أعقاب تعليق البرلمان عام 2024 وتوسيع الصلاحيات التنفيذية، وهو ما وُصف على نطاق واسع بأنه نهاية آخر استثناء شبه ديمقراطي في منطقة الخليج. وقال منصور المحارب، المدوّن الكويتي المقيم في المنفى، للجنة حماية الصحفيين: »لم تكن الكويت بهذا القدر من القمع في السابق، كان ثمة هامش للتعبير، لكن كل شيء تغير بعد مايو 2024.«
كما أفاد الصحفي يتسحاق هوروفيتس، الذي يعمل في الصحيفة الأسبوعية الحريدية (اليهودية المتشددة) BeKehila، بأنه اعتُقل في الكويت بتهمة التجسس إثر تصويره سفنًا حربية أمريكية قبالة السواحل الخليجية، وأشار إلى أنه خضع لساعات من التحقيق بشأن هويته وارتباطاته بإسرائيل وخلفيته العسكرية قبل أن يُفرج عنه.وأكد خالد إبراهيم، المدير التنفيذي لمركز الخليج لحقوق الإنسان، للجنة حماية الصحفيين أن عشرات الأشخاص اعتُقلوا في الكويت منذ اندلاع الحرب في قضايا ذات صلة بحرية التعبير، معلقًا: »لقد باتت مملكة من الخوف والرقابة.«
في البحرين، الحليف الرئيسي للمملكة المتحدة، والتي شهدت مؤخرًا انتخاب راشد الحمر من اتحاد الصحفيين البحرينيين مستشارًا في اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي للصحفيين، تواجه حرية الصحافة تضييقًا متصاعدًا وأجواءً من الترهيب المتعمق. فقد أصدرت محكمة بحرينية حكمًا بسجن المصور الصحفي سيد باقر الكامل 10 سنوات، وذلك إثر قيامه بتصوير منطقة سكنية ومشاركة المقاطع المصورة بعد ضربة استهدفتها. وفي وقت لاحق، فرضت السلطات قيودًا شاملة على تصوير أي محتوى عسكري أو نشره، وإن أشارت مجموعات محلية معنية بحرية الصحافة إلى أن هذه القواعد لم تكن محددة المعالم بوضوح حين وقع الاعتقال. وفي الرابع من مارس/آذار، أصدرت السلطات حظرًا على تصوير أي عمليات أو تحركات أو مواقع عسكرية وتداول المحتوى ذي الصلة على منصات التواصل الاجتماعي، متذرعةً باعتبارات الأمن الوطني.

وقال سيد الوداعي، مدير معهد البحرين للحقوق والديمقراطية، للجنة حماية الصحفيين: »إن الحكم الصادر على باقر يُعدّ تشويهًا كاملًا لنظام العدالة في البحرين. فـ’جريمته‘ المزعومة كانت تصوير منطقة سكنية بعد تعرضها للقصف وهو موجود في المكان، ثم مشاركة المقطع على وسائل التواصل الاجتماعي.«
كما اعتُقل المدوّن والصحفي البحريني خليل بوهزاع في الثالث من مايو/أيار دون أي توضيح رسمي، و ذلك وفقًا لمنظمات محلية لحقوق الإنسان و حرية الصحافة. وأفادت التقارير بأنه خضع للاستجواب بشأن نشاطه في التدوين ومنشوراته على منصة إكس، ومن بينها منشور كتب فيه »قانون ومؤسسات في مهب الريح!« ولم تتمكن لجنة حماية الصحفيين من التحقق باستقلالية من أسباب اعتقاله أو التهم الموجهة إليه.
وعلى غرار ما جرى في الكويت، أقدمت البحرين أيضًا على إسقاط جنسية 69 شخصًا بتهمة »التعاطف مع الأعمال العدائية الإيرانية والتعاون مع جهات أجنبية”« وفق ما أعلنته وزارة الداخلية في بيان رسمي. وأوضح البيان أن القرار طال المتهمين وذويهم، مشيرًا إلى أنهم »جميعًا من غير الأصل البحريني.«

وقبيل اندلاع هذه الحرب، كان المشهد الإعلامي في البحرين يتسم بتفكيك ممنهج للصحافة المستقلة في أعقاب احتجاجات 2011 المطالبة بالديمقراطية. وعلى الرغم من أن الحكومة روّجت لإصلاحات من بينها إلغاء العقوبات السالبة للحرية المباشرة بحق الصحفيين في إطار قوانين صحفية بعينها، يرى المنتقدون أن هذا الطرح »مضلل«. إذ كان الصحفيون يُلاحَقون قضائيًا بصفة منتظمة بموجب قانون العقوبات أو قانون مكافحة الإرهاب، اللذان يُجيزان أحكامًا قاسية بالسجن على جرائم من قبيل »إثارة الفتنة« و»نشر الأخبار الكاذبة.«
وتكشف بيانات لجنة حماية الصحفيين أن 5 صحفيين على الأقل لا يزالون خلف القضبان في البحرين، من بينهم الصحفي عبد الجليل السنكيس الذي يقضي حكمًا بالسجن المؤبد.
في الإمارات، الحليف الوثيق للولايات المتحدة، اعتقلت السلطات ما لا يقل عن 109 أشخاص بتهمة تصوير أو مشاركة محتوى مرتبط بالحرب، وفقًا للأمم المتحدة، فيما أُحيل عشرات منهم إلى محاكمات مستعجلة. وكانت الإمارات، شأنها شأن سائر دول الخليج، قد حذّرت مواطنيها ومقيميها من تصوير الهجمات الإيرانية أو تصويرها أو نشر مقاطع مصورة عنها أو تداولها فور اندلاع الحرب، مؤكدةً أن مخالفة ذلك قد تُفضي إلى السجن سنةً كاملة وغرامات مالية.
كما أصدرت الحكومة قرارات تقضي بحجب عدد من الحسابات الإعلامية، طالت قناة العربية المملوكة للسعودية، والمنصة الاعلامية المستقلة “نون بوست”، والصحفي السعودي مالك الروقي، والصحفي الجزائري أحمد حفصي، والصحفي المصري المقيم في المملكة المتحدة أسامة جاويش، بتهمة نشر معلومات كاذبة والإساءة إلى الدولة. وتعلم لجنة حماية الصحفيين بوجود حوادث إضافية غير مُبلَّغ عنها، تشمل مداهمات وغرامات باهظة، غير أن كثيرًا من المؤسسات الإعلامية تُحجم عن الإفصاح خشية التعرض لمزيد من الانتقام.

وقال أسامة جاويش للجنة حماية الصحفيين: »أنا مصدوم من تهمة نشر أخبار كاذبة والإساءة إلى الدولة، كأن دور الصحفي ينحصر في ترديد الرواية الرسمية للإمارات بدلًا من التعليق على سياساتها. ما أقوم به على منصات التواصل الاجتماعي هو عمل صحفي يومي بامتياز — أنقل الأخبار وأُعلّق عليها استنادًا إلى مصادر وتقارير منشورة.«
وقالت الدكتورة ميرا الحسين، الخبيرة في شؤون الخليج بمركز الوليد للدراسات الإسلامية بجامعة إدنبرة، إن إجراء الإمارات بحجب حسابات التواصل الاجتماعي يُشكّل استثناءً لافتًا بين دول الخليج، مضيفةً للجنة: »لا توجد دولة خليجية أخرى اتخذت هذا الإجراء. الحكومة الإماراتية لا تسعى إلى السيطرة على الرواية — بل إلى احتكارها كليًا.«
وفي السابع عشر من مارس/آذار، اعتقلت السلطات في مدينة الفجيرة مصورًا صحفيًا عربيًا يعمل لصالح مؤسسة إعلامية مقرها لندن، وذلك إثر تصويره في مناطق مقيّدة دون الحصول على التصاريح اللازمة، وفقًا لصحيفة “خليج تايمز”. وفي وقت لاحق، نشرت منصة “سيمافور” أن مصورين صحفيين آخرين اعتُقلوا في الإمارات، مما دفع بعض وكالات الأنباء العالمية إلى وقف نشر الصور الأصلية التي توثّق أضرار الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية على البلاد.
ترتكز حملة التضييق في الإمارات عام 2026 على مسار تشريعي استمر لأكثر من عقد يهدف إلى تعزيز السيطرة المركزية على وسائل الإعلام الرقمية والتقليدية. وقد تم تعزيز هذا الأساس من خلال المرسوم بقانون الاتحادي رقم 34 لعام 2021، الذي وسّع بشكل كبير صلاحيات الدولة في معاقبة »نشر الأخبار الكاذبة« والمحتوى الذي يُعتبر ضارًا بالمصلحة العامة.
وقد جرى تشديد هذا الإطار لاحقًا بموجب المرسوم بقانون الاتحادي رقم 55 لعام 2023، الذي أعاد هيكلة لوائح الإعلام في البلاد، ومنح مجلس الإعلام الإماراتي صلاحيات واسعة تشمل الإشراف على المؤثرين الرقميين ووسائل الإعلام الدولية العاملة في الدولة.
وقد وُظِّفت هذه القوانين مرارًا لاستهداف الأصوات المستقلة؛ إذ رصدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن محاكمة جماعية جرت عام 2024 أسفرت عن أحكام بالسجن المؤبد بحق عدد من الناشطين، كان كثيرون منهم موقوفين أصلًا بسبب تعليقاتهم على الإنترنت. فضلًا عن ذلك، صنّفت تقارير منظمة فريدم هاوس ومنظمة العفو الدولية الإمارات منذ أمد بعيد بوصفها بيئة مقيّدة لحرية الصحافة، مؤكدةً أن البنية التحتية لـ»احتكار الرواية« عام 2026 شُيّدت على مدار سنوات من حجب المواقع الناقدة واحتجاز الصحفيين الذين تجرأوا على الخروج عن الخط الرسمي.
وقالت القضاة من لجنة حماية الصحفيين »تستغل الحكومات في المنطقة غطاء الحرب لتصفية حسابات قديمة مع الأصوات المستقلة وتشديد قبضتها على السرد الإعلامي. هذه الإجراءات تُحدث تأثيرًا مُثبِّطًا يمتد إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة.«
على غرار سائر دول المنطقة، حذّرت قطر- حليف رئيسي آخر من خارج حلف الناتو– عبر وزارة الداخلية، المقيمين على أراضيها من تصوير أي محتوى مرتبط بالحرب أو مشاركته. وفي مارس/آذار، أفادت تقارير بأن السلطات القطرية قامت باعتقال أكثر من 300 شخص على خلفية مشاركتهم محتوى أو اتهامهم بنشر الشائعات. واعتُقل الكاتب الصحفي الفلسطيني والمحلل الإعلامي سعيد زياد في 15 مارس/آذار، على ما يُقال إنه مرتبط بمنشورات وتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي تتعلق بالحرب، قبل أن يتم الإفراج عنه في 20 مارس/آذار.

وأبلغ صحفيون لجنة حماية الصحفيين أن هذا المناخ أدى إلى زيادة الرقابة الذاتية، خصوصًا بين من يغطون القضايا الحساسة سياسيًا. وقال صحفي دولي مقيم في قطر، متحدثًا بشكل مجهول خوفًا من أي إجراءات انتقامية، إن البيئة العدائية التي ظهرت خلال الحرب — والموجّهة بشكل أساسي ضد المعلقين الإعلاميين الذين لا تتوافق آراؤهم مع الحكومة القطرية — قد مارست ضغطًا على عدد من الصحفيين والكتّاب للامتناع عن التغطية أو حتى استخدام حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.
اتبعت المملكة العربية السعودية، حليف رئيسي آخر للولايات المتحدة من خارج الناتو، والتي حققت خطوة بارزة في الدبلوماسية الإعلامية عبر حصولها على أول مقعد لها في اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي للصحفيين من خلال عضوان الأحمري،أصدرت السلطات تحذيرات مماثلة في إطار نظام الجرائم الإلكترونية، نهجًا إقليميًا يُنظر فيه إلى التغطية الرقمية المتعلقة بالنزاع على أنها قد تُصنَّف كمخالفة أمنية محتملة، بما يعكس نمطًا أوسع في المنطقة يتم فيه التعامل مع تغطية القضايا السياسية الحساسة باعتبارها مسألة تتعلق بالأمن القومي.

وعلى الرغم من هذا الدور المتنامي في المؤسسات الإعلامية الدولية، تواصل المملكة العربية السعودية ترسيخ نهج يُصنّف التغطية الإعلامية الرقمية للنزاعات تهديدًا أمنيًا محتملًا. وتبقى المملكة من أشد بيئات العالم قمعًا للصحافة، إذ وثّقت لجنة حماية الصحفيين احتجاز ما لا يقل عن 10 صحفيين في الأول من ديسمبر 2024، مما جعل المملكة تحتل المرتبة العاشرة عالميًا بين أسوأ السجانين للصحفيين في الإحصاء السنوي الذي أصدرته اللجنة لذلك العام.
ولا تزال السلطات السعودية تُلاحق الصحفيين والكتّاب والمعلّقين الإلكترونيين بتهم فضفاضة تشمل الإرهاب والخيانة العظمى وتقويض الوحدة الوطنية. وفي يونيو 2025، أعلنت السلطات السعودية تنفيذ حكم الإعدام بحق الكاتب الصحفي البارز تركي الجاسر، الذي كان موقوفًا منذ عام 2018 بتهم تضمنت الخيانة العظمى والتعاون مع جهات أجنبية والإضرار بالأمن الوطني. وأدانت منظمات حقوق الإنسان وحرية الصحافة هذا الإعدام باعتباره حلقة في سلسلة من التضييق المتصاعد على المعارضة في المملكة.
وتُستهدف السلطات السعودية بصورة ممنهجة الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين بسبب تعبيرهم السلمي، بما في ذلك نشاطهم على منصات التواصل الاجتماعي، وكثيرًا ما تُصدر بحقهم أحكامًا بالسجن لسنوات طويلة في محاكمات تعرّضت لانتقادات واسعة بسبب افتقارها إلى ضمانات المحاكمة العادلة.
ويبقى مقتل الصحفي السعودي وكاتب المقال في صحيفة واشنطن بوست جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018 من أبشع الجرائم الموثقة في تاريخ الاعتداء على الصحافة في العصر الحديث. ومنذ اغتياله، لجنة حماية الصحفيين الدعوة إلى الشفافية والمساءلة وتحقيق العدالة في هذه القضية.
كما وثّقت اللجنة الأثر المدمّر للغارات الجوية السعودية المدعومة أمريكيًا في اليمن، ومن بينها مقتل 7 صحفيين على الأقل جراء تلك الضربات. إن السعي نحو العدالة لم يبلغ نهايته بعد، ولا يزال السعي لتحقيق العدالة بعيدًا عن الاكتمال.
نقص التقارير والقيود المفروضة على المعلومات
تُنبّه لجنة حماية الصحفيين إلى أن الحجم الفعلي للاعتقالات وأعمال الترهيب من المرجّح أن يكون أوسع بكثير مما تم توثيقه علنًا. ويُبلغ صحفيون في مختلف أنحاء المنطقة عن الامتناع عن نشر مواد، أو تقليص التغطية، أو تجنّب موضوعات حساسة بسبب الخوف من الاعتقال أو الملاحقة القانونية.وفي بعض الحالات، قامت مؤسسات إعلامية دولية بتقييد نشر الصور القادمة من دول الخليج عقب احتجاز مصوّرين صحفيين. وقد ساهم ذلك في تقليص حجم التغطية المستقلة التي يمكن التحقق منها من المنطقة. كما أُثيرت مخاوف بشأن ظروف الاحتجاز في قضايا الأمن القومي، بما في ذلك مزاعم بسوء المعاملة وتقييد الوصول إلى محامٍ في قضايا مماثلة في أجزاء من الخليج، خصوصًا في الحالات التي يُحتجز فيها الموقوفون بمعزل عن العالم الخارجي.

وتواصل الكويت مواجهة انتقادات تتعلق بمزاعم التعذيب وسوء المعاملة في أماكن الاحتجاز. ففي تقرير صدر عام 2024، أعربت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب عن قلقها مما وصفته بتقارير متسقة عن التعذيب وسوء معاملة المحتجزين، وارتفاع معدل الاكتظاظ إلى 126%، إضافة إلى استخدام التقييد بالسلاسل وحرمان الطعام كإجراءات تأديبية. وفي العام نفسه، قال تقرير صادر عن مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل التابع لوزارة الخارجية الأمريكية إن »الدستور والقانون [في الكويت] يحظران التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، لكن وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية أفادت بوقوع حالات تعذيب وسوء معاملة من قبل الشرطة وقوات الأمن«.
ووفقًا لتقرير صادر عام 2023 عن منظمة هيومن رايتس ووتش، بأن السعودية »حكمت على أشخاص بالسجن لعقود أو بعقوبة الإعدام بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. ولا تزال الممارسات التعسفية في مراكز الاحتجاز، بما في ذلك التعذيب وسوء المعاملة، والاحتجاز التعسفي المطوّل، ومصادرة الأصول دون أي إجراء قانوني واضح، منتشرة على نطاق واسع«.
كما حذّر خبراء أمميون ومنظمات غير حكومية أخرى عن قلق بالغ إزاء توظيف الاختفاء القسري والحبس الانفرادي والتعذيب ضد المحتجزين على خلفية قضايا الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب في الإمارات.
وعلى المنوال ذاته في البحرين، وثّقت منظمات حقوق الإنسان، كالمركز الخليجي لحقوق الإنسان وهيومن رايتس ووتش، حالات تعرّض فيها موقوفين للتعذيب والحرمان من الرعاية الطبية.
السوابق التاريخية: القيود على الصحافة في زمن الحرب
إن استخدام القيود أثناء الحروب ليس أمرًا فريدًا في منطقة الخليج. ومع ذلك، يحذّر صحفيون ومحللون من أن موجة القيود الحالية في دول الخليج تمثل تشديدًا كبيرًا قد يؤدي إلى مزيد من خنق ما تبقّى أصلًا من حرية صحافة محدودة في المنطقة.
قالت الدكتورة ميرا الحسين من مركز الوليد بجامعة إدنبرة »لم تكن لدى الخليج يومًا صحافة مستقلة بالكامل — إذ يتعين على وسائل الإعلام التأكد من السماح لها بنشر بعض الموضوعات قبل الإقدام على ذلك. وما نشهده الآن ليس فقط محاولة للسيطرة على السرد الحالي حول الحرب، بل أيضًا محاولة لتشكيل السجل التاريخي نفسه — بحيث لا يتعارض مع الرواية الرسمية للدولة«.
وتعكس القيود التي تظهر الآن في أنحاء الخليج أنماطًا شهدتها صراعات إقليمية سابقة، حيث استخدمت الحكومات ظروف الحرب لفرض قيود دائمة على العمل الصحفي.
ففي خلال حرب الخليج عام 1990، فرضت قوات التحالف نظامًا إعلاميًا صارمًا قيّد التغطية المستقلة. فقد طُلب من الصحفيين العمل ضمن نظام »المجموعات الصحفية« (pool system)، الذي لم يسمح بالوصول إلا لمجموعة مختارة من المراسلين، وكانت تغطيتهم خاضعة لإشراف عسكري قبل النشر. كما فُرضت قيود شديدة على الحركة داخل مناطق القتال، وتمت إدارة التغطية المتعلقة بالخسائر والأضرار بشكل صارم. وقد أدت هذه الإجراءات إلى تقليص كبير في قدرة الصحفيين على التحقق المستقل من الأحداث على الأرض.

وبين الأعوام 1991 و2003، وظّفت دول الخليج قوانين أمنية — تم تقنينها لاحقًا ضمن قوانين للجرائم الإلكترونية — لاعتقال مئات الأشخاص، من بينهم صحفيون،لمجرد تصوير اعتراض الصواريخ أو مواقع الضربات. وتعكس حرب 2026 صدى مبررات التسعينيات المتعلقة بـ»الأمن العملياتي«. واليوم، تبرر السلطات هذه الإجراءات بأنها تهدف إلى منع »انتشار “الشائعات« و»الهلع« الذي قد تفيد أجهزة استخبارات معادية.
ورغم أن نظام المجموعات الصحفية العسكرية انتهى بعد حرب الخليج، فلا توجد أدلة في تقارير موثوقة على أن قوانين السيطرة الأوسع على المعلومات أو ممارسات تقييد الإعلام في دول الخليج قد انتهت بعدها، إذ استمرت هذه الأطر وتم توسيعها لاحقًا تحت مظلة قوانين الأمن القومي والجرائم الإلكترونية.
وتساهم هذه الإجراءات في تطبيع تقييد وصول الصحفيين، وتوسيع استخدام الأطر القانونية المرتبطة بالأمن لقمع معلومات تتجاوز بكثير نطاق المعلومات الحساسة عسكريًا.
وقالت القضاة من لجنة حماية الصحفيين »إن القيود الجديدة على التغطية تتجاوز بكثير التدابير المؤقتة في زمن الحرب، وتشير بدلًا من ذلك إلى ترسيخ نظام طويل الأمد لإدارة المعلومات وتقييدها. ويُظهر التاريخ أن الصلاحيات الاستثنائية للسيطرة على تدفق المعلومات أثناء الحرب غالبًا ما تمتد لما بعد حالة الطوارئ المعلنة، وتُستخدم للتحكم في نطاق واسع من المحتوى الذي لا علاقة له بالحرب بأي شكل. وما يحدث في الخليج لا يحظى باهتمام دولي كافٍ جزئيًا بسبب ارتفاع مستويات الرقابة الذاتية — ويجب أن يتغير ذلك إذا أُريد عكس هذا الاتجاه«.