رسم الخط القاطع: رسامو الكاريكاتير معرضون للتهديد

اقتحم رجلان مسلحان في 7 يناير/كانون الثاني مكاتب المجلة الفرنسية الساخرة ‘شارلي إبدو’ وقتلا ثمانية صحفيين، وقد أظهرت هذه الجريمة المخاطر التي يواجهها رسامو الكاريكاتير. ولكن نظراً لقدرة عمل هؤلاء الرسامين على عبور الحدود واللغات، وقدرتهم على تبسيط الأوضاع السياسية المعقدة، فإن التهديدات التي يواجهونها في جميع أنحاء العالم – سواء أكانت السجن أو الاضطرار إلى الاختباء أو التهديد بملاحقات قضائية أو القتل – تتجاوز كثيراً التهديد الذي يمثله التطرف الإسلامي. تقرير خاص للجنة حماية الصحفيين من إعداد شاون دبليو كريسبن

رسم الخط القاطع: رسامو الكاريكاتير معرضون للتهديد

اقتحم رجلان مسلحان في 7 يناير/كانون الثاني مكاتب المجلة الفرنسية الساخرة ‘شارلي إبدو’ وقتلا ثمانية صحفيين، وقد أظهرت هذه الجريمة المخاطر التي يواجهها رسامو الكاريكاتير. ولكن نظراً لقدرة عمل هؤلاء الرسامين على عبور الحدود واللغات، وقدرتهم على تبسيط الأوضاع السياسية المعقدة، فإن التهديدات التي يواجهونها في جميع أنحاء العالم – سواء أكانت السجن أو الاضطرار إلى الاختباء أو التهديد بملاحقات قضائية أو القتل – تتجاوز كثيراً التهديد الذي يمثله التطرف الإسلامي. تقرير خاص للجنة حماية الصحفيين من إعداد شاون دبليو كريسبن

&  المزيد في هذا التقرير
&  لغات أخرى


نشر فى 19 مايو، 2015

بانكوك

عندما بدأت الحكومة الماليزية قضية جنائية ضد أحد أبرز السياسيين المعارضين في البلد بتهمة ممارسة اللواط، شرع رسام الكاريكاتير زولكيفلي أنور الحق، والمعروف باسم زونار، ينشر رسومات ساخرة لما اعتبره لعبة مقنّعة لصراع على النفوذ السياسي.

ظهرت رسومات زونار الأولى على موقع ‘ماليزياكيني’ الإخباري المستقل، ثم نشر غيرها حصرياً في كتاب صدر عام 2014. وأسهبت رسومات زونار في وصفها لهذه المحاكمة البارزة على أنها مكيدة حكومية يقودها رئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق وحزب المنظمة الوطنية المتحدة للملايو الذي يقوده، بغية سجن خصمهم السياسي الرئيسي، أنور إبراهيم.

وفي أحد الرسومات الناقدة، صوّر زونار نجيب عبد الرزاق وكأنه القاضي الذي ينظر في القضية، وظهر في الرسم كتاب قانون مُلقى بشكل واضح في سلة النفايات؛ وفي رسم آخر، صوّر رئيس الوزراء يجذب خيوطاً ممتدة فوق القضاة الذين ظهروا في الرسم كدمى متحركة؛ وأظهر رسمٌ ثالث رئيس الوزراء يركب على ظهر قاضٍ ضخم الجثة يشير بمطرقة القضاة نحو أنور الذي بدا مذهولاً.

أثارت الرسومات أسئلة واضحة بشأن استقلال القضاء، وهو أمر يعتبر من المحذورات في وسائل الإعلام الماليزية من التيار العام. وقال زونار “الصحف والمحطات التلفزيونية المحلية خاضعة للحكومة، ولا يمكنها مناقشة موضوعات حساسة. وستؤدي مخاوف الحكومة من رسوماتي إلى تأليب الرأي العام ضدها”. ويمتلك زونار حساباً على وسائل التواصل الاجتماعي يتابعه أكثر من 100,000 شخص.

لم تتهاون السلطات في تعاملها مع سخرية زونار، فقد أخبرَ لجنة حماية الصحفيين أن الشرطة داهمت مكتبه في يناير/كانون الثاني وصادرت أكثر من 100 نسخة من كتبه، بما في ذلك كتاب جديد بعنوان ‘المؤامرة لسجن أنور’. وفي فبراير/شباط، احتُجز زونار لمدة أربعة أيام لقيامه بنشر تغريدات ناقدة ، تضمنت رسماً آخر يصور نجيب كقاضٍ، وقد نُشر هذا الرسم بعد دقائق قليلة من إعلان حكم الإدانة في محاكمة أنور.

ويواجه هذا الرسام الساخر إمكانية السجن لمدة 43 عاماً على خلفية تسعة اتهامات موجه إليه، بما فيها تهمة التحريض وتهمة مناهضة الدولة التي تنطوي على عقوبة إلزامية بالسجن بموجب القانون الماليزي. ومن المفترض أن تبدأ جلسات المحكمة في 20 مايو/أيار. ويخضع زونار للتحقيق أيضاً بسبب اتهامين إضافيين بممارسة التحريض، ويستند أحدهما إلى الكتب التي صودرت من مكتبه في يناير/كانون الثاني، ويستند الآخر إلى كتابه “الرهاب من الرسومات الكاريكاتيرية” الذين نشره في عام 2010، حسبما أفاد زونار للجنة حماية الصحفيين. وقد منعت السلطات نشر خمسة كتب لزونار منذ عام 2010، ويقول “في الأنظمة الفاسدة، قول الحقيقة هو تحريض. سأظل أرسم حتى آخر قطرة من حبري”.

واجه ناشرو كتب هذا الرسام تهديدات قانونية أيضاً. وقال زونار إن السلطات داهمت مكاتب ثلاثة من الناشرين الذين نشروا كتبه سابقاً، وهددتهم بإلغاء تراخيص النشر وسجن أصحاب دور النشر بموجب قانون الصحافة والمطبوعات وقانون منع التحريض. وقد بدأ زونار يخفي اسم الناشر عن كتبه لحماية دور النشر من المضايقات، على الرغم من أن إخفاء اسم الناشر محظور بموجب قانون المطبوعات .

“بدأ العالم، وللأسف، يستفيق لقوة الرسومات الكاريكاتيرية وتأثيرها، [وأخذ يستجيب] عبر ممارسة العنف والقتل”
– روبرت راسل

تُمثِل محاكمة زونار نموذجاً للمخاطر التي يواجهها رسامو الكاريكاتير في جميع أنحاء العالم – وقد برزت هذه المسألة على نحو مفجع بعد الاعتداء على مجلة ‘شارلي إبدو’ الفرنسية الساخرة في يناير/كانون الثاني. وسواء أكانت رسوماتهم تتناول موضوعات سياسية أو اقتصادية أو دينية أو موضوع الهوية الوطنية، يواجه الرسامون التهديدات الجسيمة ذاتها التي يواجهها الصحفيون العاملون في وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية والمسموعة ممن يغطون موضوعات حساسة. وتُظهر الأبحاث الدولية للجنة حماية الصحفيين أن رسامي الكاريكاتير استُهدفوا بالرقابة ودعاوى قضائية عقابية واعتداءات بدنية والسجن والاختفاء والقتل بسبب عملهم الصحفي ذات الطابع الفني. حتى أن بعضهم اضطر للفرار إلى المنفى لتجنب القمع.

وأفاد الرسامون والمحررون والمحللون والمناصرون الذين تحدثوا مع لجنة حماية الصحفيين أن هذه التهديدات تزداد أثناء فترات الاضطرابات السياسية أو الاقتصادية أو المدنية. وفي حين يستخدم الرسامون الفكاهة والمبالغة والتلميح لتسليط الضوء على النقاط التي يريدون إثارتها، فإنهم غالباً ما يُستهدفون بالمضايقات لأن التصويرات الساخرة التي يرسمونها، سواء أكانت ضمنية أم صريحة، قادرة على إيصال أفكار سياسية معقدة بشكل سهل ويلقى التجاوب من الجمهور الواسع.

ويقول روبرت راسل، المدير التنفيذي للشبكة الدولية لحقوق رسامي الكاريكاتير، وهي جماعة للمناصرة والرصد تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، “هناك ما يشبه المعادلة التي يمكننا تمييزها في وقت مبكر والتي يمكنها أن تدلنا متى تصبح الأوضاع خطرة لرسامي الكاريكاتير. فأي دولة فاشلة أو زعيم لا يحتمل النقد سيدخل في منافسة انتخابية أو شكل من أشكال الانتقال السياسي سيعمد دائماً إلى قمع رسامي الكاريكاتير في أوقات انعدام الأمن أو الاضطرابات”.

لقد زاد بروز الرسومات الكاريكاتيرية وقدرتها على الانتشار من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من المنابر التي تعتمد على الإنترنت والتي تفضّل الرسائل القوية واللاذعة. إلا أن القدرة المتأصلة في هذه الوسائل على عبور الحدود واللغات أدت في الوقت نفسه إلى زيادة الخطر على الأشخاص الذين يرسمون الرسومات الجريئة وينشرونها، حسبما وجدت لجنة حماية الصحفيين.

وقال رسام الكاريكاتير الهندي أسيم تريفيدي، “أخذَت الرسومات الكاريكاتيرية في العديد من المناطق تصل إلى عدد كبير من الناس وأكثر من أي وقت مضى مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي”. وكان تريفيدي قد احتُجز مؤقتاً وواجه حكماً بالسجن مدى الحياة بسبب رسوماته التي تناولت الفساد السياسي المتفشي، بما في ذلك رسمٌ يصور البرلمان الهندي كمقعد في مرحاض. ولكن في عام 2012، أسقطت السلطات اتهامات التحريض التي كانت موجهة ضده. ويقول تريفيدي، الذي ينشر رسوماته بالصحف المطبوعة وعلى شبكة الإنترنت، وغالباً ما تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، “إذا كانت هناك رسالة تتناول موضوعاً رئيسياً يهم الناس، ستكون فرصها كبيرة في الانتشار بسرعة والوصول إلى الجماهير”.

كانت المرونة المتاحة وإمكانية الانتشار سيفاً ذا حدين بالنسبة للعديد من رسامي الكاريكاتير. فقد استهدفت الحكومات القمعية والجماعات المتطرفة الرسامين الذين صوروا النبي محمد، مما يعد مخالفة جنائية بموجب قوانين حظر الكفر في العديد من البلدان الإسلامية. وأتاحت معدلات انتشار الإنترنت المتنامية لأعداء الصحافة في كل مكان أن يراقبوا الصحافة بسهولة وأن يردوا على الرسومات التي تثير سخطهم.

وقال روبرت راسل، “تقوم الحكومات والجماعات المتعصبة بمراقبة شبكات التواصل الاجتماعي مراقبة حثيثة بحثاً عن أي إشارة لتعليقات مخالفة”، وأضاف أن التدفق الحر للأخبار والمعلومات عبر الإنترنت عمل على حشد جماهير هائلة جديدة ونشر التطرف لدى بعض الجماعات. وقال، “بدأ العالم، وللأسف، يستفيق لقوة الرسومات الكاريكاتيرية وتأثيرها، [وأخذ يستجيب] عبر ممارسة العنف والقتل”.

 

  • رسام الكاريكاتير الماليزي زونار يواجه اتهامات بالتحريض قد تؤدي إلى سجنه لأكثر من 40 عاماً بسبب رسوماته السياسية التي تناولت موضوعات مثل استقلال القضاء، والتي عادة ما تُعتبر من الموضوعات المحظورة في صحافة البلد. في هذا الرسم، تظهر الشخصية وقد خيطت شفناها بالحروف جنبا إلى جنب من عبارة “قانون التحريض على الفتنة”. (زونار/ماليزيكيني)

  • زونار يصور رئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق راكباً على ظهر قاضٍ يشير بمطرقته نحو السياسي المعارض أنور إبراهيم. ويعبر الرسم عن رأي زونار بالاتهامات الجنائية الموجهة إلى أنور إبراهيم بممارسة اللواط، والتي يعتبرها مدفوعة بدوافع سياسية. (زونار/ماليزيكيني)

  • عندما نشر رسام الكاريكاتير الإكوادوري، بونيل، هذا الرسم الذي يظهر السلطات تداهم منزل صحفي تحقيقي، أمرته هيئة تنظيم الإعلام في البلد “بتصحيح” رسمه. ويقول التعليق في الرسم الأصلي: “الشرطة ومكتب المدعي العام يداهمون منزل فيرناندو فيلافيسينكيو ويصادرون وثائق لشكاوى تزعم بانتشار الفساد”. (بونيل/إل يونيفيرسو)

  • تعليقات على النزاع تُصوِرها أعمال رسام الكاريكاتير السريلانكي براجيث إكنيلغودا الذي اختفى في عام 2010 أثناء حملة عسكرية لإيقاف تمرد أقلية التاميل. هذا الرسم عنوانه “الحرب هي طريقة مدمرة ذاتياً من البربرية”. (براجيث إكنيلغودا)

  • يُظهر إكنيلغودا عيوناً يجري رسمها على وجوه مجردة من الملامح، فيما يبدو أنه تعبير عن اعتقاده بالدور والمسؤوليات التي ينهض بها كصحفي، ويقول التعليق في الرسم “تزويدك بالقدرة على البصر هو الواجب المقدس للإعلام”. وكان هذا الرسام قد تلقى تهديدات بسبب عمله، واختفى في عام 2010 بينما كان في طريقه من عمله إلى بيته. (براجيث إكنيلغودا)

  • بعد أن قامت الرسامة رايما سوبراني بدمج توقيع رئيس فنزويلا الراحل هوغو شافيز مع مخطط قلب يُظهر خطاً مستقيماً بغية التعبير عن رأيها بحالة الوضع الصحي (“salud”) في بلدها، فُصلت من عملها في صحيفة ‘إل يونيفرسال’ حيث عملت لمدة 19 عاماً. (رايما سوبراني)

  • هذا الرسم الساخر الذي يصور موقفا لركن السيارات بصحيفة أعدته سيغن ويلكنسون فاز في عام 2015 بمسابقة الرسومات الكاريكاتيرية للحريات الصحفية في العالم، وهو يوجز المخاطر التي يواجهها رسامو الكاريكاتير، والتي تتضمن الرقابة والملاحقات القضائية والاعتداءات والقتل. (سيغن ويلكنسون)

  • عندما حصل رئيس جنوب أفريقيا، جاكوب زوما، على حكم براءة في قضية اغتصاب رُفعت ضده عام 2006 وقضية فساد فى عام 2008، استجاب رسام الكاريكاتير زابيرو لما اعتبره تمريغاً للقضاء من قبل الرئيس، فرسم هذا الرسم الذي يُظهر زوما يستعد للاعتداء على سيدة العدالة بينما يقول احد الرجال الذين يقيدونها “هيا افعلها يا زعيم”. وحفّز هذا الرسم زوما على رفع قضية جنائية ضد الرسام بتهمة التشهير. (زابيرو، صنداي تايمز، 2008)

  • استجاب زابيرو للدعوى القضائية التي رفعها زوما بأن رسم رسماً لاحقاً في إطار سلسلة “سيدة العدالة”، ويُظهر زوما يستعد للاعتداء على امرأة ترتدي يافطة مكتوب عليها ‘حرية التعبير’ بينما تصيح سيدة العدالة “قاتلي يا اختاه، قاتلي”. وفي وقت لاحق قام الرئيس بإسقاط الدعوى المرفوعة على زابيرو وصحيفته ‘ميل آند غارديان’. (زابيرو، ميل آند غارديان، 2011)

  • اضطر رسام الكاريكاتير الإيراني مانا نيستاني للفرار إلى المنفى في عام 2007. ونشر نيستاني في عام 2014 كتاباً بعنوان ‘مسخ إيراني’ يحتوي على مجموعة من رسوماته، بما فيها هذا الرسم، ويتحدث فيه عن رحلته الشاقة بدءاً من إمضائه ثلاثة أشهر في سجن إيراني ومروراً بخمس سنوات أمضاها في وضع قانوني مُلتبس خارج وطنه بينما كان يقدم طلبات للجوء السياسي، وما تلاها من عيشه كرسام في المنفى في فرنسا. التعليق الأصلي على الرسم يقول، “في الشهر الثاني، لم يتبقَ لدينا موضوعات نتحدث بشأنها. وكل منا أصبح عالقاً في وحدته. كنا بحارين من سفينة محطمة كلٌ يعيش في جزيرة منعزلة. وكانت وسيلة التسلية الرئيسية خلال النهار هي مراقبة إشعاعات الضوء الضيقة على أرضية الزنزانة. وكان هذا دليلي الوحيد على انقضاء الوقت”. (مانا نيستاني/Uncivilized Books)

“سأظل أرسم حتى آخر قطرة من حبري .”
– زونار

تجلت هذه المخاطر على نحو مأساوي في الاعتداء الذي حدث في باريس في 7 يناير/كانون الثاني والذي أودى بحياة 12 شخصاً، من بينهم ثمانية صحفيين ورسامين من مجلة ‘شارلي إبدو’. وكان هذا الاعتداء أحد أشد الاعتداءات فتكاً بالصحافة التي وثقتها لجنة حماية الصحفيين، حيث قام رجلان مسلحان بقتل موظفي المجلة، بمن فيهم محررها ستيفان تشارونيه، وذلك فيما يبدو أنه انتقام من التصويرات الساخرة التي نشرتها المجلة حول النبي محمد. وأفادت تقارير صحفية نقلاً عن شهود عيان أن الرجلين المسحلين كانا يهتفان “الله أكبر” ويناديان باسم النبي خلال الاعتداء.

ظهرت استجابات مختلفة لهذه الجريمة وانقسمت إلى فئتين بين المنادين بحرية التعبير وبين المدافعين عن الحرمات الدينية، وهو انقسام مثل تحدياً للنسيج الاجتماعي للعديد من البلدان الغربية ذات التنوع الثقافي، كما مثل تحدياً لمحرري الرسومات الكاريكاتيرية الذين يجرؤون على نشر رسومات تسخر من القضايا الدينية. وتعبيراً عن التضامن مع مجلة ‘شارلي إبدو’ ودعماً لحرية التعبير، يقول راسل إن منظمته نشرت أكثر من 500 رسم من منشورات ساخرة من جميع أنحاء العالم. ولكن مع تلاشي الدعم الذي تدفق في البداية، برزت جدالات حول ما إذا كان يجدر اعتبار مجلة ‘شارلي إبدو’ على أنها بطل من أبطال حرية التعبير.

وتركّز الجدال بصفة رئيسية على الموقف التحريري للمجلة، وحاجج بعض المعلقين أن المجلة خرجت عن مبدأ الرسومات الكاريكاتيرية السياسية إذ استهدفت الفئات المستضعفة بدلا من أن تركز على الفئات التي تتمتع بالنفوذ، وقال آخرون إن المجلة استخدمت صوراً نمطية عرقية. ونشر مركز القلم الأمريكي (PEN) مقالاً في صحيفة ‘نيويورك تايمز’ عارض فيه هذا الموقف، لا سيما وأن المركز سيمنح في هذا الشهر جائزة الشجاعة في حرية التعبير لمجلة ‘شارلي إبدو’. ودافع المركز عن موقفه مستشهداً بالهدف المعلن لستيفان تشارونيه “بتتفيه” كل خطاب يعتبر مشحوناً جدا بحيث لا يجوز مناقشته.

كان للجريمة التي استهدفت مجلة ‘شارلي إبدو’ أثراً عكسياً، وهو ما يدل عليه انتشار الإجراءات ضد التعبير “الاستفزازي” وزيادة المراقبة على وسائل الإعلام بذريعة مكافحة الإرهاب. وأعدت لجنة حماية الصحفيين تسلسلاً لوقائع القضية وأظهر أن الاستجابات بشأن الاعتداء ومحتويات المجلة انتشرت في جميع أنحاء العالم وفي مختلف اللغات. وزعمت بعض السلطات أنها تسعى لتجنب تكرار الاستجابة الساخطة للرسومات التي نشرتها الصحيفة الدانمركية ‘يلاندز-بوستن’ في عام 2005 وصورت فيها النبي محمد. وانتشرت تلك الرسومات على نطاق واسع عبر شبكة الإنترنت وتضمت رسماً للرسام كورت ويسترغارد يظهر فيه النبي محمد مرتدياً عمامة فيها قنبلة فتيلها مشتعل.

خرج متظاهرون غاضبون إلى الشوارع في عدة بلدان ذات أغلبية سكانية من المسلمين، مما أدى إلى وفاة حوالي 200 شخص، وفقاً لتقارير الأنباء. أما المحررون الصحفيون الذين أعادوا نشر الرسومات فمنهم من فُصل من عمله، ومنهم من اعتُقل أو سجُن، في حين تعرضت بعض الصحف للتعليق أو الإغلاق، حسبما تُظهر أبحاث لجنة حماية الصحفيين. وفي عام 2013، نشرت صحيفة ‘إنسباير’ الإلكترونية التي يصدرها تنظيم القاعدة أسماء ويسترغارد واثنين من زملائه في صحيفة ‘يلاندز-بوستن’ بوصفهم من “الكفار” المطلوب قتلهم ، وفقاً لتقارير الأنباء.

ويواصل ويسترغارد مواجهة تهديدات بالقتل . ووفقاً لتقارير الأنباء، أحبطت الشرطة محاولة لاغتياله كان يخطط لها متطرفون محليون مرتبطون بجماعة إرهابية دولية. وفي عام 2010، حاول مهاجم يحمل بلطة باقتحام “ملجأ محصن” أنشأه ويسترغارد داخل منزله استجابة لنصيحة السلطات الدنماركية بعد اكتشاف المحاولة الأولى لاغتياله. وبعد مرور عشر سنوات من نشر تلك الرسومات الخلافية، ما زال ويسترغارد يعيش تحت حماية الشرطة، وفقاً لتقارير الأنباء. وقال ويسترغارد لمحطة ‘بي بي سي’ في أعقاب الجريمة التي استهدفت مجلة ‘شارلي إبدو’ “لقد أثارت الجريمة الكثير من الخوف، وأنا أيضاً خائف. ولن تختفي هذه الخشية من الاعتداء. وستستمر لوقت طويل جداً. بالطبع سيكون هناك نوع من الرقابة الذاتية، وهذا يمثل، بشكل ما، أسوأ أنواع الرقابة”.

“يحق لقرائي أن يتذمروا بالشدة والشناعة التي يريدونها. لكن ليس من حقهم أن يطلقوا الرصاص عليَ .”
– سيغن ويلكنسون

أعرب جوناثان شابيرو، رسام الكاريكاتير الجنوب أفريقي والمعروف أيضاً باسم “زابيرو”، عن رأي مشابه في مقابلة أجرتها معه لجنة حماية الصحفيين، إذ قال “رسامو الكاريكاتير في كل مكان يُطبِق عليهم الخوف خشيةً من اعتداءات مماثلة”. وكان هذا الرسام قد نشر رسما في عام 2010 في صحيفة ‘ميل آند غارديان” صوّر فيه النبي محمد يجلس في مقعد العلاج النفسي ويشتكي قائلاً “الأنبياء الآخرون لهم أتباع يتمتعون بحس الفكاهة”. وعلى إثر ذلك تلقى زابيرو تهديدات بالقتل، حسبما أفاد. وأصدرت الصحيفة اعتذاراً طوعياً بسبب نشر الرسم، وكان الاعتذار استجابة لردود فعل ظهرت على صفحة على موقع فيسبوك تدعو الجميع إلى رسم النبي محمد.

ويقر الرسامون الساخرون بأن النقد هو طريق ذو اتجاهين مع وجود الإنترنت. وتقول سيغن ويلكنسون، وهي رسامة حائزة على جائزة بولتزر في الولايات المتحدة، “يجب على رسامي الكاريكاتير أن يتقبلوا النقد أيضاً. لقد وُصفتُ بأنني مناهضة للكاثوليك، ومناهضة للإسلام، ‘وبمكانة غوبلز [النازي] بالنسبة للحركة النسائية’ – وبالتأكيد أنا لم أسعَ يوماً لتقليد غوبلز”. وليكنسون معروفة بالرسومات التي تنشرها في صحيفة ‘فيليدلفيا ديلي نيوز’، وتقول “يحق لقرائي أن يتذمروا بالشدة والشناعة التي يريدونها. لكن ليس من حقهم أن يطلقوا الرصاص عليَ”.

وهناك رسامون آخرون واجهوا تهديدات من المتطرفين مما دفعهم إلى الفرار إلى المنافي أو الاختباء. اعتقلت سلطات بنغلاديش في عام 2007 رسام الكاريكاتير أريفور رحمان، الحائز على جوائز، وذلك بموجب قانون السلطات الخاصة في بنغلاديش، لأن عددا من الزعماء الدينيين المحليين اعتبروا أن أحد رسوماته الذي نشره في مجلة ‘ألبين’ الأسبوعية يصور النبي محمد على شكل قط.

وخرجت تظاهرات احتجاجية في العاصمة، داكا، مما دفع المجلة إلى الاعتذار وفصْل نائب مدير التحرير من عمله، حسبما أفاد رحمان للجنة حماية الصحفيين. احتُجز رحمان لفترة تزيد عن ستة أشهر في الحبس الاحتياطي، وواجه فتاوى أصدرها شيوخ المسجد الوطني ‘بيت المكرّم’ الذين دعوا إلى قتله، كما واجه اتهامات بالكفر في دعوى رفعها ضده إمام مسجد، مما دفعه إلى طلب لجوء في النرويج، وقد قبلت السلطات النرويجية طلبه.

حوكم رحمان غيابياً وصدر بحقه في عام 2009 حكم بالسجن لمدة شهرين بسبب الرسم الذي قال إنه فُسّر على نحو خاطئ تماماً. وكادت الشركة الأم للمجلة، والتي تصدر صحيفة ‘بروثوم آلو’ أن تفقد رخصة النشر؛ وقال رحمان إن الصحف المحلية توقفت عن نشر رسوماته. ويقول إن حكم السجن الصادر بحقه والتهديدات بالقتل تعني أنه لن يكون آمناً أبداً كي يتمكن من العودة لزيارة أسرته وأصدقائه. وما زال يتجنب الظهور حتى بعد مكوثه عدة سنوات في المنفى، وهو يحاول إزالة أية معلومات على شبكة الإنترنت قد تكشف عن مكان عمله أو مكان سكنه.

وقال رحمان، الذي يعمل حالياً رساماً مستقلاً في أوسلو ويناهض التطرف الديني والإرهاب الذي يُمارس باسم الإسلام، “المتدينون يبحثون عن الكفر في كل مكان، ولكننا نحن الرسامين نحاول فقط أن نُضحك الناس”. ويضيف، لم أتخيل قبل حدوث جريمة ‘شارلي إبدو’ أن أي شخص يمكن أن يرتكب القتل بسبب الرسم… وأنا أخشى أن أحداً ما يبحث عني”. ولا شك أن مخاوفه لها ما يبررها: ففي هذا العام قُتل ثلاثة مدونين بنغاليين أعلنوا عن مواقف ناقدة بشأن قضايا دينية، فقد تم تقطيع أوصالهم في اعتداءات منفصلة في داكا على يد مهاجمين يُعتقد أنهم إسلاميون متطرفون.

الخوف من انتقام الإسلاميين المتطرفين دفع رسامة الكاريكاتير الأمريكية مولي نوريس إلى الاختباء بعد أن أصدرت دعوة مازحة في عام 2010 على صفحتها على موقع فيسبوك بعنوان “يوم رسم محمد للجميع”. ولم ترسم نوريس النبي محمد مباشرة، إلا أنها أضافت للدعوة رسما أظهر كوب شاي، وكشتبان خياطة، وقطعة دومينو، وفقاً لتقارير الأنباء.

وتلقت نوريس تهديدات بالقتل من متطرفين دينيين، بمن فيهم أنور العولقي الذي انتسب للقاعدة واستقر في اليمن، وكتب مقالاً في صحيفة ‘إنسباير’ التابعة لتنظيم القاعدة، وذلك قبل مقتله في عام 2011، قال فيه إن رسومات نوريس تجعلها “هدفاً رئيسياً” للقتل. وقد نصحها مكتب التحقيقات الفدرالي “أن تصبح كالشبح” وأن تغير هويتها ومكان سكنها وعملها كي تتجنب أي انتقام محتمل. وقال مارك باومغارتين، المحرر الصحفي الذي كان يشرف عليها سابقاً، إنه لم يسمع من نوريس منذ أرسلت رسالة إلكترونية وداعية قصيرة في خريف عام 2010.

“المتدينون يبحثون عن الكفر في كل مكان، ولكننا نحن الرسامين نحاول فقط أن نُضحك الناس .”
– أريفور رحمان

 

وقال باومغارتين، “الصحافة هي قوة مؤثرة – سواء أكانت صحيفة دولية أم مدونة لرسام كاريكاتير – ويجب علينا أن نراعي هذه القوة وأن تكون مقاصدنا واضحة لنا بشأن ما نفعله بها”. ويعمل باومغارتين رئيس تحرير صحيفة ‘سياتل ويكلي’ وعمل سابقاً مدير تحرير صحيفة ‘سيتي آرتس’ التي كانت تنشر رسومات نوريس. وقال، “مولي نوريس كان لديها غاية، ولكن نظراً لطريقة استجابتها للتهديد، لم تكن تدري مدى الخطر الذي يواجهها، وانتهى بها الأمر في وضع لم تكن مستعدة له”.

وقال روبرت راسل المناصر لحقوق رسامي الكاريكاتير: “أنا لا أعتقد أن العديد من الأمريكيين يدركون أن ثمة رسامي كاريكاتير بين ظهرانيهم اضطروا لتطبيق نظام يشبه برنامج حماية الشهود الذي ينفذه مكتب التحقيقات الفدرالي”. وأضاف، “لقد اضطرت [نوريس] للانفصال عن أصدقائها وزملائها ومهنتها وأسرتها كي تضمن سلامتها … يجب على كل بلد يحمي حرية التعبير أن يفهم هذا الأمر وأن يوازن الكلفة التي يتكبدها”.

وفي البلدان التي تفرض قيوداً مشددة على حرية التعبير، عادة ما تكون الحكومة هي المصدر الأكبر للتهديد. وقال جونثان غوير، وهو باحث ومحرر يعمل من القاهرة وكتب على نطاق واسع حول دور رسامي الكاريكاتير في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن الرسومات الكاريكاتيرية عادة ما تتضمن أقوى التعليقات السياسية عندما تعمل السلطات على كبت أصوات المعارضة والنقد الصحفي.

وتُظهر الأبحاث التي أجراها غوير أن رسامي الكاريكاتير يستخدمون الرموز والعناوين الفرعية واللغة الرمزية للتملص من الرقابة وتحدي الوضع الراهن والتشكيك في الخطاب الرسمي، وذلك بأساليب لا يتمكن الصحفيون من استخدمها في ظل الأنظمة القمعية. ويقول غوير، “ميزة الرسم الكاريكاتيري أنه أكثر جلباً للنظر. ويستخدم الرسامون جميع أنواع الطرق الملتوية والحيل” بحيث “لا يكون النقد القاسي واضحاً للعيان. … إن رسامي الكاريكاتير وبحكم طبيعة عملهم مخاطرون”.

ووفقاً لغوير، تتجسد هذه الجرأة بالتصويرات اللاذعة التي رسمها الرسام السوري علي فرزات لنظام الرئس بشار الأسد. إلا أن هذه الشجاعة كلفت الرسام ثمنا باهظاً: ففي عام 2011 اختُطف على يد مهاجمين مجهولين قامو ا بتهشيم يده لمنعه من الرسم، ثم ألقوا به على قارعة الطريق، حسبما تُظهر أبحاث لجنة حماية الصحفيين . ويعيش فرزات حالياً في المنفى في الكويت، وقال لصحيفة ‘غارديان’ في عام 2013 إنه شعر في البداية بخوف من معاودة الرسم، ولكن “إذا لم أكن مستعداً للمخاطرة، فلا يحق لي أن أعتبر نفسي فناناً. وإذا لم يكن هناك رسالة أو مهمة لعملي، فيجدر بي أن أعمل دهاناً أو مصمم ديكور”.

الزعماء الوطنيون الذين لا يتحملون النقد غالباً ما يستجيبون بنقمة على رسامي الكاريكاتير الذين يستخدمون كنايات واضحة في نقدهم. فقد أثار الرسام الجنوب أفريقي زابيرو سخط الرئيس جاكوب زوما بسبب رسم يلمح بأن زوما ضغط على الجهاز القضائي كي يحصل على حكم براءة في قضية اغتصاب كانت مرفوعه ضده في عام 2006.

ففي رسم لاذع، ظهر زوما وهو يخلع سرواله بينما كان أعضاء المؤتمر الوطني الأفريقي، ومؤتمر اتحاد نقابات جنوب أفريقيا، والحزب الشيوعي الجنوب أفريقي، يمسكون بامرأة على عينيها عصابة وتردي وشاحاً مكتوب عليه “النظام القضائي”. وظهر أحد أعضاء المؤتمر الوطني الأفريقي يقول: “قم باللازم يا زعيم”.

وألهَمَ هذا الرسم سلسلة من الرسومات بعنوان “سيدة العدالة” تتضمن انتقادات لزوما وللحكومة بقيادة المؤتمر الوطني الأفريقي. وقال زابيرو عن هذا الرسم “عادة ما يتم تمثيل العدالة بتمثال امرأة، وهو رمز موروث عن الرومان واليونان. وعند خلط هذه الصورة بمشهد من الاغتصاب الجماعي السياسي، فإنه يصبح كنايةً مؤثرة حول ما شعرتُ به إزاء ما فعله زوما بالنظام العدلي”.

 

“الفكاهة والسخرية عادة ما تزعج أولئك الذين يبالغون بأهمية أنفسهم .”
– بونيل

وفي عام 2008، رفع زوما قضية تشهير ضد زابيرو وضد صحيفة ‘صنداي تايمز’ التي نشرت الرسومات، وطالب بتعويض قدره 5 ملايين راند (ما يعادل 400,500 دولار أمريكي بسعر الصرف الحالي) عن الأضرار التي زعم أنها لحقت بكرامته. إلا أن زابيرو ظل مقداماً وغير هيّاب، ونشر رسماً لجاكوب زوما يظهر فيه وقد حل أزرار بنطاله ويقترب من امرأة ترفع لافتة مكتوب عليها “حرية التعبير” وتكافح للإفلات من قبضة عضو من المؤتمر الوطني الأفريقي.

وبعد قرابة أربع سنوات من الإجراءات القانونية، أسقط زوما الاتهامات بزعم أنه كان قلقاً من نشوء سابقة قانونية فيما إذا صدر حكم إدانة في قضية تتعلق بحرية التعبير، وذلك وفقاً لبيان صحفي اقتبست منه تقارير الأنباء . وفي وقت إسقاط الدعوى الجنائية، كان زوما قد رفع 12 قضية تشهير ضد وسائل الإعلام ينظر فيها القضاء، وفقاً لتقارير الأنباء. وقال زابيرو، “عندما يستخدم السياسيون الدعاوى القضائية، فذلك يمثل شكلاً قويا من أشكال الترهيب، وطريقة لسحق الصحفيين. ولحسن الحظ فقد تمكّنا من الصمود أمام التهديد”.

وفي حالات أخرى، يظهر أن الصحف خضعت للضغوط الحكومية. فعندما قامت رسامة الكاريكاتير رايما سوبراني برسم شكل طبيعي لمخطط قلب تحت عنوان “الصحة” ومقابله مخطط قلب تحت عنوان “الصحة في فنزويلا” ولكن هذا المخطط الأخير يدمج بين توقيع الرئيس المتوفى هوغو شافيز وخط مستقيم، قام المحررون في صحيفة “إل يونيفرسال” بطردها من عملها خلال بضعفة ساعات من نشر الرسم، حسبما أفادت للجنة حماية الصحفيين.

وقالت سوبراني مشيرة إلى إدارة الرئيس نيكولاس مادورو، “لقد كان ما أزعجهم بالفعل هو استخدام توقيع الرئيس الراحل شافيز في الرسم، مما يمثل تشكيكاً في إيقونة مقدسة تود الحكومة فرضها على الفنزويليين. لقد أدى استخدامي للتوقيع إلى تقويض قيمة استخدام توقيع شافيز على المباني العامة والمباني السكنية، من خلال مقابلة التوقيع مع مخطط قلب لمريض متوفى، تماماً كالوضع الصحي للفنزويليين”.

عملت سوبراني لمدة 19 عاماً في صحيفة ‘إل يونيفيرسال’، وقالت إن اتجاه رسوماتها بدأ يغيظ المحررين بعد أن بيعت هذه الصحيفة الناطقة بالإسبانية في عام 2014 لتجمع من المستثمرين من القطاع الخاص لم يُكشف عن هويتهم. ووفقاً لوكالة بلومبرغ للأنباء ، فقد نص عقد البيع على عدم الكشف عن هوية المالكين الجدد. وزعمت سوبراني، وآخرون ظهرت آراؤهم في تقارير الصحف ، أن مجموعة المالكين الجدد مرتبطون بالرئيس مادورو. ومنذ أن أمسك المالكون الجدد بزمام الأمور في الصحيفة، فُصل عدة صحفيين من عملهم واستقال عدد آخر منهم احتجاجاً على ما وصفوه بأنه موقف تحريري مؤيد للحكومة، وفقاً لأبحاث لجنة حماية الصحفيين. (امتنعت صحيفة ‘إل يونيفيرسال’ عن الإجابة على أسئلة لجنة حماية الصحفيين حول المزاعم بممارستها للرقابة المؤيدة للحكومة).

“قبل أسابيع من فصلي من عملي، بدأتُ أتعرض للرقابة من قبل المحررين [الذين كانوا يوجهون] أسئلة من قبيل ‘أليس لديكِ شيء آخر لنشره غداً؟”
– رايما سوبراني

وقالت سوبراني، التي تنشر رسوماتها حالياً في مواقع إلكترونية مستقلة، “قبل أسابيع من فصلي من عملي، بدأت أتعرض للرقابة من قبل المحررين [الذين كانوا يوجهون] أسئلة من قبيل ‘أليس لديكِ شيء آخر لنشره غداً؟’ وكان الغرض هو محاولة دفعي للتخفيف من حدة انتقاداتي كي لا أخسر عملي. ولكن كان هذا الأمر مستحيلاً في حالتي إذ أنني ملتزمة إلى أبعد حد بالحرية وبمصداقية عملي”.

ولم تستجب صحيفة ‘إل يونيفيرسال’ إلى طلب لجنة حماية الصحفيين للتعليق على مزاعم سوبراني بأنها فُصلت من عملها بسبب رسوماتها، أو أن المحررين حاولوا فرض رقابة عليها.

واجه رسام الكاريكاتير الإكوادوري خافيير بونيا، المعروف أيضاً باسم بونيل، رقابة حكومية بسبب رسوماته الناقدة لإدارة الرئيس رافائيل كوريا. وقد وثقت لجنة حماية الصحفيين كيف أصدرت الهيئة العليا للمعلومات والاتصالات، وهي هيئة حكومية لمراقبة وسائل الإعلام أسسها الرئيس كوريا، حكماً في عام 2014 بأنه يجب على بونيل “تصحيح” رسم كاريكاتيري يصف عملية مداهمة قامت بها الشرطة لمنزل صحفي كان يحقق بدعوى قضائية رفعتها الحكومة ضد شركة شيفرون للبترول على خلفية مزاعم بتلويث البيئة في حوض الأمازون. وفرضت الهيئة غرامة على صحيفة ‘إل يونيفيرسو’ التي يعمل بها بدفع نسبة من أرباحها الربعية، وبلغت حوالي 95,000 دولار.

وفي هذا العام ، أصدرت الهيئة العليا للمعلومات والاتصالات حكماً بأن أحد رسومات بونيل التي سخر فيها من خطاب ركيك ألقاه لاعب كرة قدم أصبح سياسياً في الحزب الحاكم بزعامة كوريا، مثّل “تمييزاً على أساس اجتماعي-اقتصادي”. وفرض هذا الحكم على صحيفة ‘إل يونيفيرسو’ نشر اعتذار لمدة سبعة أيام متتالية في النسخة المطبوعة والإلكترونية للصحيفة وفي المكان الذي تظهر فيه عادة رسومات بونيل. كما تضمن الحكم نصحاً لبونيل “بتصحيح وتحسين” ممارساته الصحفية والالتزام بقانون الاتصالات – وهو تشريع غامض الصياغة تم إقراره في عام 2013، وتُظهر أبحاث لجنة حماية الصحفيين أن السلطات استخدمته لكبح النقد في وسائل الإعلام.

وقال بونيل للجنة حماية الصحفيين في أبريل/نيسان إن الادعاء العام يعكف على جمع أدلة للنظر في إمكانية توجيه اتهامات جنائية على خلفية الرسم المعني. وقال بونيل، “مهما كانت النتائج، علي أن أواجه التحدي وألا أستسلم للخوف، وأن أسعى أن أكون أكثر إبداعاً”، وقد أقر بونيل بأنه تجنب الموضوعات الحساسة سياسيا كي لا يثير المزيد من المضايقات الحكومية. وأضاف القول، “الفكاهة والسخرية عادة ما تزعج أولئك الذين يبالغون بأهمية أنفسهم. … لهذا فإنني كثيرا ما أقول أننا نحن معشر رسامي الكاريكاتير نمثل اليمامات التي تلوّث بريق تماثيل المتعجرفين الذين يعتقدون بأنهم خالدون”.

&  المزيد في هذا التقرير
  • &  معرض كاريكاتير
  • تواجه حرية الرسم اعتداءات أيضاً في أوضاع النزاعات، حسبما تُظهر أبحاث لجنة حماية الصحفيين. ومن الأمثلة البارزة على ذلك الاختفاء القسري الذي تعرض له الصحفي ورسام الكاريكاتير السريلانكي براجيث إكنيلغودا الذي اختفى في يناير/كانون الثاني بينما كان متوجها من عمله إلى بيته. وقد حدث هذا الاختفاء أثناء الحملة العسكرية التي شنها الرئيس آنذاك، ماهيندا راجاباكسا، لقمع تمرد أقلية التاميل الإثنية في المنطقة الشمالية من هذا البلد الجزري.

    ومن بين الرسومات التي رسمها إكنيلغودا وانتشرت على نطاق واسع، رسمٌ صوّر فيه امرأة نصف عارية تجلس أمام مجموعة من الرجال الباسمين، وخلفها جدار مكتوب عليه عبارة “الأغلبية تفضّل الديمقراطية”. ويدمج هذا الرسم بين موضوعين من الموضوعات التي يُحظر تناولها: الإساءات لحقوق الإنسان والموثقة على نطاق واسع التي ارتكبتها حكومة راجاباكسا، بما في ذلك مزاعم باستخدام الاغتصاب كسلاح في الحرب، وتهميش جماعات الأقليات في ظل حكم الأغلبية الإثنية السنهالية.

    ووفقاً لزوجة إكنيلغودا، سانديا، كان زوجها في الوقت الذي اختفى فيه يحقق في مزاعم بشأن استخدم القوات الحكومية لأسلحة كيماوية في مناطق التاميل. كما كان يحضّر لعرض مجموعة من رسوماته في معرض تحت عنوان “فن الكهوف في القرن الـ 21” وذلك في العاصمة التجارية، كولومبو، قبل بضعة أيام من عقد الانتخابات التي فاز فيها راجاباكسا. و تُظهر أبحاث لجنة حماية الصحفيين أن إكنيلغودا، الذي كان ينشر في الموقع الإلكتروني المستقل ‘لانكا إي-نيوز’، اختُطف في السابق على يد مهاجمين مجهولين، وتلقى تهديدات عبر مكالمات هاتفية بسبب كتاباته.

    وتقول سانديا بأنه على الرغم من عدم قدرتها على تحديد رسم معيّن أدى إلى اختفاء زوجها، إلا أنها تعتقد أن رسوماته “أثارت استجابة”. وأفادت سانديا للجنة حماية الصحفيين عبر رسالة إلكترونية، “إذا ما تمعّن المرء في مجموعة الرسومات، بوسعه أن يفهم الوضع السياسي والاقتصادي في البلد خلال تلك الفترة. وكانت غايته هي إيقاظ الناس النائمين والخائفين من نظام راجاباكسا من خلال الرسومات، إذ أن بوسع الجميع فهمها بسهولة”.

    في حين يتعمد بعض رسامي الكاريكاتير السياسي إخفاء معنى رسوماتهم، تعرّض بعض الرسامين الساخرين للقمع بسبب إساءة تفسير مقاصدهم. فقد أُودع رسام الكاريكاتير الإيراني مانا نيستاني في السجن ثم اضطر للفرار إلى المنفى في عام 2007 بسبب رسم صور فيه طفلاً يتحدث مع صرصار. وكان الرسم جزئاً من سلسلة رسومات فكاهية موجهة للقراء اليافعين في مجلة ‘إيران-إي-جومي’ حول كيفية مكافحة الحشرات. وقد فُهم الرسم على أنه ينطوي على إهانة للأقلية الأذرية، إذ ظهر الصرصار ذو الملامح الإنسانية في الرسم بأنه يقول كلمة من اللهجة الأذرية، حسبما أفاد نيستاني. وأدت ردود الأفعال على الرسم إلى احتجازه بتهمة “نشر مواد تحريضية وإثارة الفتنة”.

    وقال نيستاني “اعتبر المحتجون الرسمَ بأنه جزء من مؤامرة حكومية ضد الأذريين. واتهمتني الحكومة بإقلاق النظام العام. ووصفني بعض الناس بأنني عنصري؛ في حين وصفني آخرون بأنني مثير قلاقل. ولم يتح لي أبداً تبرير موقفي”، وأضاف بأن الرسم أُخرج عن سياقه، وقال “أعتقد أن الأذريين استخدموا الرسم كذريعة للتظاهر ولإظهار غضبهم للحكومة بسبب ما تعرضوا له من إذلال تاريخي” من خلال القوانين والممارسات التمييزية.

    وفي نهاية عام 2014 نشر نيستاني كتاباً بعنوان ‘مسخ إيراني’ يحتوي على رسومات يتتبع فيها بتفاصيل كافكوية رحلته الشاقة بدءاً من إمضائه ثلاثة أشهر في سجن إيراني ومروراً بخمس سنوات أمضاها في وضع قانوني مُلتبس خارج وطنه بينما كان يقدم طلبات للجوء السياسي، وما تلاها من عيشه كرسام في المنفى في فرنسا. ويقول نيستاني إن هذه الظروف المضطربة منحته منظوراً فريداً من وطنه الجديد، فرنسا، بشأن الجريمة التي استهدفت مجلة ‘شارلي إبدو’.

    ويقول نيستاني، الذي ينشر رسوماته حالياً في مواقع إلكترونية إخبارية يديرها إيرانيون يعيشون في المنفى، وهي ‘إيران واير’ و ‘راديو زمانه’ و ‘تافانا’، “لقد أظهرت تلك الجريمة أن رسامي الكاريكاتير غير آمنين بصرف النظر عن المكان الذي يعيشون فيه – إذ يمكن أن تتعرض للقتل بسبب عملك حتى إذا كنت تعيش في قلب الديمقراطية والحرية. وأنا أقول دائماً أن رسام الكاركاتير يشبه المظلي: إذ أننا نقفز من الطائرة حتى لو كنا نشعر بقلق كبير. فهذا هو عملنا وولعنا، لذا فإننا نقفز ونأمل بأننا سنهبط بسلام”.

     

    شوان دبليو كريسبن هو صحفي مقره في تايلند، وممثل متقدم للجنة حماية الصحفييين في جنوب شرق آسيا. ساهم سوميت جالهوترا في التغطية من نيودلهي في الهند، وهو موظف أبحاث في لجنة حماية الصحفيين معني بشؤون آسيا. ووفّرت سارا رافسكي ترجمة من اللغة الإسبانية، وهي موظفة أبحاث في لجنة حماية الصحفيين معنية بشؤون الأمريكيتين.

    Also Available
    المزيد
    Tags

    مثل هذه المادة؟ دعم عملنا

    Categories: Uncategorized