قمع وحشي مقنع بالقانون في اليمن

قامت الحكومة اليمنية خلال العامين الماضيين بإجراءات تشريعية وإدارية لفرض قيود أكبر على حرية التعبير. وتلاقي تلك الإجراءات مع أساليب القمع العنيف السائدة منذ فترة طويلة مكن حكومة الرئيس علي عبدالله صالح من تهيئة أسوأ مناخ للصحافة تشهده البلاد منذ عقدين من الزمن.

تقرير خاص صادر عن لجنة حماية الصحفيين من إعداد محمد عبد الدايم

حكومة الرئيس علي عبدالله صالح ترفق القمع العنيف مع أساليب تشريعية جديدة. (رويترز/ خالد عبدالله)

صنعاء، اليمن

تنتشر في شوارع صنعاء وعلى واجهات البنايات صور كبيرة بأحجام اللوحات الإعلانية للرئيس علي عبد الله صالح. ويظهر الرئيس في هذه الصور في هيئات مختلفة – مرتدياً بزة عسكرية، أو ممتطياً صهوة حصان، أو لابساً بدلات أنيقة – ولكنها دائماً ترسل مضامين إيجابية عن الوحدة الوطنية والتقدم. وفي حين يكتنف الفقر والفساد والاضطراب الاجتماعي والتطرف هذه البلاد الجميلة بوعورة تضاريسها والمتربعة على الطرف الجنوبي من شبه الجزيرة العربية، إلا أن حكومة الرئيس علي عبد الله صالح عازمة على ألا تحيد عن مسارها. وذلك يعني إسكات التغطية الإخبارية الناقدة.

لقد وجدت لجنة حماية الصحفيين بأن عمليات الاختطاف خارج نطاق القانون، والتخويف، والتهديد، والرقابة الفجّة قد وسمت سجل الحكومة القمعي لأكثر من عقد من الزمن، بيد أن حكومة علي عبد الله صالح اتجهت بهدوء في العامين الماضيين لإرساء بنية قانونية مسهبة تهدف إلى تقييد التغطية الإخبارية بشكل أكبر وإلى إضفاء مظاهر الشرعية على تصرفاتها القمعية.

يقول صلاح السقلدي رئيس تحرير الموقع الإلكتروني الإخباري “خليج عدن”، “المضايقات مستمرة، وهذه التدابير القانونية الجديدة تهدف إلى تبرير القمع وتجنب الإحراج”. ولقد سبق لصلاح السقلدي أن احتجز لمدة عام تقريبا بلا محاكمة على خلفية تهمة مبهمة هي “المساس بالوحدة الوطنية” قبل أن يُطلق سراحه في أيار/مايو.

لقد كان إنشاء محكمة استثنائية في عام 2009 للنظر في ما يُسمى جرائم الصحافة محور الجهود القانونية للحكومة، غير أن الحملة مستمرة حتى اليوم وفي جعبتها مجموعة من المقترحات التشريعية التي من شأنها وضع عوائق مالية مانعة أمام وسائل الإعلام الإخبارية السمعية والبصرية والإلكترونية، وتوسيع نطاق مفهوم التشهير الجنائي ليشمل فعلياً أي شكل من أشكال الانتقاد الموجه لرئيس الجمهورية، وزيادة مدة عقوبة الحبس لتصل في بعض الحالات إلى 10 سنوات.

ولقد خلصت تحقيقات لجنة حماية الصحفيين إلى أن تلاقي ممارسات القمع العنيف الحكومية القائمة منذ فترة طويلة مع الأساليب القانونية الجديدة التي أخذت الحكومة تتبعها أسفر عن أسوأ مناخ لحرية الصحافة في البلاد منذ الوحدة في 1990. وفي هذا الصدد، تقول سامية الأغبري، وهي كاتبة في العديد من الصحف والمواقع الإخبارية، إن “المحكمة المتخصصة والتعديلات الحكومية، إن تم إقرارها، ستتيح سبلاً أكثر من أي وقت مضى أمام السلطات لتقييد الصحفيين المعارضين”.

تعتبر تغطية الاحتجاجات المدنية في الجنوب، مثل هذا الاحتجاج في بلدة لبوس، تخطياً للخطوط الحمراء التي وضعتها الحكومة (رويترز)

هناك عدد كبير من “الخطوط الحمراء” التي تضعها الحكومة، وهي عبارة عن محظورات غير مكتوبة ولكنها راسخة وثابتة ومنها الحرب مع المتمردين الحوثيين في الشمال، وقمع الحراك الجنوبي السلمي في غالبيته، والإخفاق في احتواء تنظيم القاعدة، والفساد المتغلغل في صفوف القيادات العليا في البلاد. ولقد تعرض أولئك الذين تجاوزوا هذه الخطوط للحجز والعزل عن العالم الخارجي، ومصادرة صحفهم ومعداتهم الإخبارية، وتهديدات، ومضايقات في العشرات من الحالات التي وثقتها لجنة حماية الصحفيين على مدى العقد المنصرم.

تتسم الحملة التشريعية الجديدة بالغموض. فلم يتم تحديد التعديلات المقترح إدخالها على قانون الصحافة والمطبوعات اليمني أو الإعلان عنها بوضوح. أما التعديلات التشريعية المقترحة التي أُفصح عنها بصورة أوضح فإن من شأنها أن تتمخض عن أنظمة متداخلة ومتضاربة أيضا. ويقول صحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان ومواطنون إن العملية تتسم بالالتباس وعدم اليقين.

توضح قضية محمد المقالح، رئيس تحرير الموقع الإلكتروني الإخباري “الاشتراكي” التابع للحزب اليمني الاشتراكي، نقطة التلاقي بين الأساليب القديمة والجديدة. فلقد كان محمد المقالح هدفاً لعملية اختطاف جرت برعاية حكومية في أيلول/سبتمبر 2009 بسبب تغطيته المستنكِرة للغارات الجوية التي خلفت ما يقرب من 100 قتيل ومئات الجرحى في صفوف المدنيين في سياق الحرب الجارية بين الحكومة والمتمردين الحوثيين في إقليم صعدة الواقع في شمال غرب البلاد. فبعد أن أنكرت الحكومة لمدة خمسة أشهر تحفظها على الصحفي محمد المقالح، كشفت أخيراً في مطلع عام 2010 بأنه بالفعل موقوفاً لدى السلطات. وبعد ذلك، مثُل محمد المقالح أمام محكمتين منفصلتين، كانت إحداها المحكمة المتخصصة بقضايا الصحافة، على خلفية قضايا جنائية قبل أن تتوقف هذه القضايا دون صدور أي قرار. ولقد أخبر محمد المقالح لجنة حماية الصحفيين بأنه ليس من الواضح ما إذا كانت التهم قد أُسقطت بالفعل أم أنها لا تزال قيد النظر لدى المحكمة.

تعرض المحرر محمد المقالح للاختطاف على يد عملاء للحكومة، وتم احتجازه وعزله عن العالم الخارجي لمدة خمسة أشهر. (وكالة فرانس برس/ محمد حويس)

محمد المقالح هو واحد من بين أكثر من 30 صحفيا ومحللا إعلاميا ومحاميا قابلتهم لجنة حماية الصحفيين في إطار بعثة أوفدتها إلى العاصمة اليمنية ومدينة عدن الجنوبية والتي استمرت تسعة أيام. ويقول محمد المقالح للجنة حماية الصحفيين: “لقد جعلتني التغطية التي قمت بها في الاشتراكي شخصا يتعين إسكاته”.

يحتل اليمن موقعا استراتيجيا من الناحية الجيوسياسية يفوق بكثير حجمه وتعداده السكاني من حيث الأهمية. إذ يقع اليمن إلى جنوب المملكة العربية السعوية ولا يفصله عن الصومال سوى خليج عدن الذي يسهل عبوره، لذا فهو يجتذب المتطرفين العنيفين الباحثين عن ملاذ من كلا البلدين ومن أماكن أخرى. ويعاني اليمن من أعلى معدلات الفقر في المنطقة، ومن نقص حاد في موارده المائية، ومن ضعف اقتصاده، وتضاؤل احتياطياته النفطية، وحكومته المركزية التي تكاد لا تقوى على بسط نفوذها خارج المراكز الحضرية الرئيسية الثلاثة في البلاد. وقد ساهمت هذه العوامل وغيرها في نشوء وضع حيث غدت تواجه الحكومة إمكانية انهيار الدولة في الوقت الذي تسعى فيه لاحتواء ثلاثة تهديدات مختلفة تحدق بسلطتها ألا وهي الحرب الأهلية مع المتمردين الحوثيين في الشمال؛والحراك الجنوبي، وهو تحالف بين جماعات تسعى لنيل حقوق للجنوبيين المهمشين سياسيا؛ والإرهاب الدولي، الذي برز مؤخرا في عملية غير ناجحة نفذها فرع القاعدة في اليمن لمهاجمة طائرة متجهة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في شهر كانون الأول/ديسمبر 2009.

ويترتب على تغطية هذه الأحداث – أو على عدم تغطيتها وهو ما يثير قلقا بدرجة أكبر – تداعيات واسعة على الصعيد الدولي. لم يستجب وزير العدل ووزير الإعلام للطلبات الخطية التي تقدمت بها لجنة حماية الصحفيين مع أجل الاجتماع بهما لمناقشة السياسات التي قيدت بشدة تدفق المعلومات. ولم يُجب وزير العدل غازي الأغبري ولا وزير الإعلام حسن اللوزي على سلسلة من الأسئلة المكتوبة كانت لجنة حماية الصحفيين قد بعثتها بواسطة السفارة اليمنية في العاصمة الأمريكية واشنطن.

محكمة استثنائية للصحافة

تنص المادة 148من الدستور اليمني على أنهلا يجوز إنشاء محاكم استثنائية بأي حال من الأحوال”. غير أن هذا هو عينه ما فعلته الحكومة يوم 11 أيار/مايو 2009، عندما أعلن مجلس القضاء الأعلى عن إنشاء محكمة الصحافة والمطبوعات، وهي محكمة استثنائية متخصصة بالنظر في جرائم الإعلام والنشر.

ولقد حاولت الحكومة الالتفاف على الحظر المنصوص عليه في الدستور بتشبيه محكمة الصحافة بالمحاكم المكرسة للنظر في أمور مثل مخالفات المرور والمسائل التجارية المدنية، وذلك حسبما أفاد محمد علاو، وهو عضو سابق في البرلمان ومحام يترافع في قضايا حرية التعبير. وبحسب علاو فإن هناك ثلاثة فروق مهمة بين المحكمة المتخصصة المشروعة وبين محكمة الصحافة. أولا، إن المحاكم المتخصصة بمخالفات المرور والمسائل التجارية منظمة حسب المناطق الجغرافية، بمعنى أن المدعى عليه يمثل أمام المحكمة التي وقعت المخالفة المزعومة ضمن ولايتها. أما المدعى عليهم في قضايا الصحافة فيمثلون أمام محكمة الصحافة في موقعها الوحيد الكائن في العاصمة صنعاء.

والأهم من ذلك، فإن النائب العام ينتقي قضايا دون أخرى لإحالتها إلى محكمة الصحافة، خلافا للمحاكم المتخصصة المشروعة التي تنظر في كافة القضايا المنتمية إلى نوع معين. ولأن النائب العام موظف سياسي يعينه وزير العدل، تغدو محكمة الصحافة بذلك أداة بيد السلطة التنفيذية. والفرق الثالث هو أن المحاكم المتخصصة المشروعة تطبق قوانين محددة – فعلى سبيل المثال، تطبق محاكم المرور قانون المركبات – في حين أن محكمة الصحافة لم تطبق قانون الصحافة والمطبوعات وحسب بل طبقت أيضا بنودا انتقتها من قانون الجرائم والعقوبات وقوانين أخرى. وقد أخبر محمد المقالح لجنة حماية الصحفيين بأنه لم تتضح في كثير من الأحيان هوية القانون الذي كان يستند إليه قاضي محكمة الصحافة في التوصل إلى قراراته.

لقد عكس القرار الأول الصادر من محكمة الصحافة بتاريخ 31 تشرين الأول/أكتوبر 2009 هذه المعايير المسيسة والتعسفية. حيث أدين منير الماوري الكاتب في صحيفة “المصدر” الأسبوعية المستقلة والمقيم في الولايات المتحدة غيابيا بتهمة التشهير على خلفية تعليق كتبه في عام 2008 يصف أسلوب قيادة علي عبد الله صالح “بسلاح الدمار الشامل”. وقد حكمت عليه المحكمة بالحبس لمدة عامين وحظرت عليه مزاولة العمل الصحفي في اليمن مدى الحياة. بيد أن حظر مزاولة المهنة مدى الحياة لم يرد نصه لا في قانون الصحافة والمطبوعات ولا في قانون الجرائم والعقوبات. كما إن قانون الصحافة والمطبوعات لا ينص على عقوبة حبس تزيد مدتها عن عام واحد، وهو ما يدل على أن محكمة الصحافة استمدت تلك العقوبة من قانون الجرائم والعقوبات أو من قانون آخر.

في أول قضية تنظر بها محكمة الصحافة المتخصصة، تم منع سمير جبران (يمين الصورة) من العمل كمحرر صحفي لمدة عام. (رويترز)

وفي إطار القضية ذاتها، حكمت المحكمة على سمير جبران، رئيس تحرير صحيفة “المصدر”، بالسجن مدة عام واحد مع وقف التنفيذ وحظرت عليه إدارة الصحيفة لسنة واحدة. وفي مقابلات أجرتها لجنة حماية الصحفيين، أشار عدة صحفيين إلى أن هذه الأحكام القاسية قد حددت توجّه محكمة الصحافة وبعثت برسالة إلى الجهاز الصحفي بأسره. ووفقا لنقابة الصحفيين اليمنيين، نظرت المحكمة 100 قضية تقريبا منذ تأسيسها في عام 2009.

لم تكن محكمة الصحافة هي الأولى التي تؤسسها الحكومة رغم الاعتراضات الدستورية. ففي عام 1999، أصدر علي عبد الله صالح أمرا تنفيذيا بإنشاء محكمة جزائية متخصصة للنظر في قضايا الإرهاب والقرصنة وأخذ الرهائن وغيرها من الجرائم التي توصف بأنها تمس الأمن الوطني. وقد كان توسيع نطاق اختصاص هذه المحكمة في عام 2004 بموجب قرار جمهوري تنفيذي آخر ليشمل “الجرائم الماسة بأمن الدولة والجرائم بالغة الخطورة الاجتماعية والاقتصادية” بمثابة بداية مرحلة جديدة حيث غدت المحاكم الاستثنائية تُستخدم لتصفية الحسابات مع الخصوم السياسيين الحقيقين أو المتصورين، ومن ضمنهم الصحفيون.

يقول محمد علاو إنه “لا توجد قوانين أو محاكم استثنائية لمهنة الطب، لذلك يجب ألا تكون هناك واحدة لمهنة الصحافة. فإما أن يُتهم الناس بموجب القانون العام وأمام محكمة نظامية وإلا فلا”. وكان محمد علاو قد خضع هو نفسه للتحقيق أمام المدعي الخاص بمحكمة الصحافة في شهر شباط/فبراير بعد أن نشرت إحدى الصحف مجريات ندوة انتقد فيها محكمة الصحافة. وأُحيل التحقيق في نهاية المطاف إلى النائب العام بعد أن طعن محامو علاو في اختصاص محكمة الصحافة.

هجوم تشريعي على ثلاث جبهات

يكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في “التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى”. ورغم أن اليمن دخل طرفا في هذا العهد، فإن دستوره يوفر ضمانة محدودة للحق في حرية التعبير. فالمادة 42 منه تنص على أن حرية التعبير محمية فقط “في حدود القانون”.

كما إن القوانين ذاتها تتسم بأنها تقيدية وهي عرضة لأن تصبح أكثر تقييدا. فقد عرض مجلس الوزراء اليمني في 2010 على البرلمان تعديلات على قانون الجرائم والعقوبات وقانون الصحافة والمطبوعات تثير قلق الصحفيين والمدافعين عن حرية التعبير. وبالإضافة إلى ذلك، ثمة مشروع قانون قمعي يرمي إلى تنظيم الإعلام التلفزيوني والإذاعي والإلكتروني لا يزال قيد النظر أمام البرلمان.

لقد توصل استعراض أجرته لجنة حماية الصحفيين إلى أن التعديل المقترح على قانون الجرائم والعقوبات من شأنه أن يصعب على الإعلام المعارض والأحزاب السياسية والناقدين السياسيين والاجتماعيين التحدث علنا. وأكثر ما يدعو للقلق هو التعديل المقترح للمادة 197 والتي ما فتئت تُستخدم لإدانة الصحفيين أمام المحاكم الجنائية النظامية والمحكمة الجنائية المتخصصة ومحكمة الصحافة والمطبوعات المتخصصة.

الصور الكبيرة للرئيس منتشرة في جميع أنحاء البلاد. (رويترز/خالد عبدالله)

تنص المادة 197 بصيغتها الحالية على عقوبة بالسجن لمدة أقصاها سنتان لكل من “أهان علنا رئيس الدولة بما يسئ إليه أو يمس من شخصيته في المجتمع”. وتوفر المادة الحالية حماية مماثلة لرؤساء الدول الأجنبية ولمؤسسات الرئاسة ومجلس الوزراء والجيش والقضاء وغيرها من أجهزة الدولة. وفي حال أُقرت التعديلات المقترحة، فإن دائرة هذا الحظر ذي الصياغة المبهمة ستتسع، في حين سيزيد مقدار العقوبات. فالحظر المفروض على إهانة الرئيس علنا سيشمل مقاضاة كل من “يتعرض لشخص الرئيس بأي شكل من الأشكال بما لا يليق أو يدعو للتهكم أو السخرية أو التشهير أو التجريح”. كما ستزيد مدة الحبس لتصل إلى خمس سنوات، في حين تصبح الغرامة القصوى، الرمزية حاليا والبالغة 4,000 ريال (18 دولار أمريكي)، مفتوحة وغير محددة.

كما إن من شأن التعديلات المقترحة للمواد 136 و194 و195 من قانون الجرائم والعقوبات أن توسع نطاق الحظر المفروض على المحتوى وتطيل مدة الحبس. فالحظر الذي تفرضه المادة 136 على “إذاعة” أخبار كاذبة سيتسع ليشمل التهمة المبهمة المتمثلة في “إعداد” هذه الأخبار. كما سيتسع نطاق الحظر المفروض على “إلقاء الرعب بين الناس” و”إلحاق ضرر بالمصلحة العامة” ليشمل “الثوابت الوطنية” في إشارة واضحة لوحدة أراضي اليمن. كما إن الحظر الذي تفرضه المادة 194 على إذاعة آراء تتضمن سخرية أو تحقيرا للمذاهب الدينية سوف يتسع ليشمل “إثارة النعرات الإقليمية أو القبلية أو المذهبية أو العرقية”. وسوف يضاعف التعديل المقترح للمادة 195 مدة الحبس المقررة حاليا والبالغة خمس سنوات لمن تثبت عليه تهمة تحقير الدين الإسلامي.

يقول محمد المخلافي وهو محام ومدير سابق للمرصد اليمني لحقوق الإنسان وعضو حالي في مجلس إدارته إنهم “يريدون تحويل المخالفات الصحفية إلى جرائم كبرى من خلال ربطها بعقوبات حبس أكثر قسوة”.

وعلى صعيد منفصل، ثمة مشروع قانون جديد للإعلام السمعي والبصري والإلكتروني يصوره مؤيدوه بأنه إجراء تحرري من شأنه أن يعزز ملكية وسائل الإعلام الخاصة في اليمن حيث تملك الدولة كافة المحطات التلفزيونية والإذاعية. (تفيد إحصاءات الأمم المتحدة بأن نصف السكان تقريبا أميون. ولا تحظى الصحف سوى بانتشار محدود، في حين تشكل محطات التلفزة والإذاعة المصدر الرئيسي للأخبار).

لقد وجدت لجنة حماية الصحفيين خلال ابحاثها بخصوص مشروع قانون الإعلام السمعي والبصري بأنه سوف يفرض رسوما باهظة للتسجيل وهو ما من شأنه أن يردع جهات البث الخاص. وفي الوقت ذاته، يفرض مشروع القانون رسوما على الترخيص ويوسع مظلة التنظيم الحكومي لتشمل الوسائل الإعلامية على شبكة الإنترنت والتي تعمل حاليا من دون هذه القيود. وتنص المادة 33 على أن الإعلام الإلكتروني – بما فيه الأخبار المرسلة عبر خدمة الرسائل النصية القصيرة (SMS) على الهواتف الخلوية، وهو قطاع تهيمن عليه وسائل الإعلام الخاصة – سوف يصبح خاضعا لسيطرة الدولة من خلال إطار تنظيمي يُنشأ بموجب أمر تنفيذي. كما إن مشروع القانون يعكس القيود والعقوبات المتعلقة بالمحتوى والمدرجة بالفعل في قانون الصحافة والمطبوعات وقانون الجرائم والعقوبات.

كما تحظر المادة 5 إنشاء أو تشغيل محطات البث التلفزيوني أو الإذاعي والمواقع الإلكترونية الإخبارية قبل الحصول على رخصة، وهو فعليا ما يجعل المئات من المواقع الإخبارية القائمة على شبكة الإنترنت مخالفة للقانون. وقد وجدت لجنة حماية الصحفيين خلال ابحاثها ما هو أدهى من ذلك، فالجهة المانحة لهذه الرخصة ستكون عبارة عن لجنة تضم مسؤولين من هيئة البث المملوكة للدولة، ومن وزارة الإعلام، والأجهزة الأمنية.

كما ستتراوح رسوم الترخيص ما بين 9.6 و 40.2 مليون ريال (40,000 إلى 167,000 دولار أمريكي) بحسب نوع الوسيلة الإعلامية، وهو ما يضمن فعليا انعدام الجدوى التجارية لوسائل الإعلام (كما يجب تجديد الرخصة كل سنتين أو خمس سنوات أو عشر سنوات بحسب طبيعة الوسيلة الإعلامية). وبالنظر إلى أن حصة الفرد في اليمن من الناتج المحلي الإجمالي تبلغ حوالي 1,356 دولار أمريكي، وفقا لبيانات الأمم المتحدة، فإن قلة من الأفراد والجماعات تقدر على جمع هذه المبالغ. أما الأحزاب السياسية والتي قد يسعها أن تؤمن هذه الرسوم، فهي ممنوعة على وجه التحديد بموجب المادة 30 من التقدم بطلب رخصة.

البرلمان اليمني ينظر في ثلاثة قوانين مقترحة من شأنها تشديد القيود على الصحافة. (رويترز/خالد عبدالله)

يقول محمد المخلافي للجنة حماية الصحفيين إن “مشروع القانون أشبه ما يكون بلائحة طويلة من المحظورات، إذ إنه يشمل قيودا مالية باهظة إلى حد غير معقول، والقليل من الحقوق أو الضمانات الممنوحة للصحفيين في المقابل”. وقد لقي مشروع القانون معارضة واسعة من جانب الصحفيين والمدافعين عن حرية الصحافة، وهو لا يزال منظورا أمام البرلمان.

كما إن الحديث عن مشروع قانون آخر مُعدل لقانون الصحافة والمطبوعات لا يزال مشوبا بعدم اليقين. ففي حين لم تعلن الحكومة عن تعديلاتها المقترحة على شبكة الإنترنت أو في المطبوعات المملوكة للدولة، أخبر ما لا يقل عن عشرة صحفيين بارزين لجنة حماية الصحفيين بأنهم لم يروا نسخة من مشروع القانون تبين التعديلات المقترحة بوضوح. ولم ترد الحكومة على طلب لجنة حماية الصحفيين من أجل الحصول على نسخة من التعديلات المقترحة.

يأتي الشرح الأوفى لمشروع القانون من رئيس نقابة الصحفيين اليمنية السابق عبد الباري طاهر الذي اضطلع بمقارنة النصوص المقترحة مع النصوص النافذة سطرا سطرا. فقد كتب عبد الباري طاهر في تحليل منشور بأن مشروع القانون “حرص على كل مساوئ وعيوب القانون القديم، كما أبقى على المواد المجرمة، متوسعاً ومضيفاً ومفصلاً أكثر”. وقال إن من شأن هذا الإجراء أن يوسع دائرة ممارسات الترخيص النافذة حاليا على المطبوعات لتشمل المراسلين الأفراد، والموزعين، وأماكن البيع. كما إن مشروع القانون سوف يطبق القيود المفروضة حاليا على المحتوى على الإعلام “الإلكتروني”، أي المنشورات على شبكة الإنترنت. وفي حين أن مشروع القانون سيلغي عقوبة السجن بحق الصحفيين بموجب قانون الصحافة، فإن المادة 116 تسمح ضمنا بحبس الصحفيين بموجب قانون الجرائم والعقوبات أو القوانين الأخرى.

هذا وقد أخبر أمين عام نقابة الصحفيين اليمنيين، مروان دماج، لجنة حماية الصحفيين بأن البنود “لا تقتصر على أنها غير صالحة للتباحث أو التحسين، بل تمثل محاولة لتوظيف القانون لسد كافة الثغرات الموجودة في نظام القمع”. لذا فقد تجاوزت نقابة الصحفيين المفاوضات المباشرة مع الحكومة بشأن مشروع القانون، واستعاضت عن ذلك بصياغة مشروع قانون خاص بها في محاولة للتصدي لأوجه القصور في القانون النافذ.

واقترحت النقابة إجراء مراجعة شاملة لإجراءات الترخيص الحالية التي يضطر المتقدمون بمقتضاها للانتظار لسنوات للحصول على رخص قد لا تصدر أبدا. وبحسب ما قاله صحفيون عدة للجنة حماية الصحفيين فإن الحكومة تتبع عملية ترخيص مطولة بهدف منع وسائل الإعلام الإخبارية الناقدة أو عرقلتها. ويهدف مقترح النقابة إلى جعل التسجيل عملية إدارية بسيطة توجب على الحكومة إبداء أسباب عند رفضها منح الترخيص.

 ومن شأن مقترح النقابة أيضا أن يمنع المصادرة الحكومية للمطبوعات دون أمر قضائي، إذ جرت العادة في الممارسة العملية أن تصادر وزارة الإعلام المطبوعات استنادا إلى سلطتها، وفقا لما أفادته النقابة وما توصلت إليه أبحاث لجنة حماية الصحفيين. وتتصدى خطة النقابة أيضا لتعدد القوانين المستخدمة حاليا في محاكمة الصحفيين، حيث يدعو مشروعها إلى توجيه التهم للصحفيين ومحاكمتهم وفقا لقانون الصحافة والمطبوعات وحسب.

وبحسب رئيس لجنة الحريات في نقابة الصحفيين اليمنيين، جمال أنعم، فإن مشروع قانون الحكومة ومشروع قانون النقابة لا يزالان منظورين أمام مجلسي النواب والأعيان في البرلمان. ولم يتضح بعد متى ستتم مناقشتهما.

صحيفة تحت القصف

جدران صحيفة الأيام التي تم إغلاقها مندبة بطلقات العيارات النارية. (لجنة حماية الصحفيين/محمد عبد الدايم)

لم تتعرض أي مطبوعة للاستهداف بالانتقام الحكومي مثلما تعرضت له صحيفة “الأيام” اليومية المستقلة الصادرة من حي يتوسط مدينة عدن ويُعرف بحي كريتر [وتعني فوهة البركان باللغة الإنجليزية] بسبب موقعه الكائن في حوض بركان خامد. أما مبنى صحيفة الأيام الواقع على شارع سكني هادئ فتلك جدرانه المندبة بطلقات العيارات النارية تقف شاهدا على محنة الصحيفة.

أسست عائلة بشراحيل صاحبة النفوذ صحيفة الأيام في عام 1958 وأدارتها على مدار العقود الخمسة التي تلت. وكانت صحيفة الأيام الصحيفة الوحيدة المملوكة للقطاع الخاص التي توزع في جميع محافظات اليمن العشرين، وكانت في وقت من الأوقات الصحيفة الأوسع انتشارا في البلاد بوجود جمهور قراء تجاوز عددهم 70,000 قارئ. وكانت شعبية الأيام تنبع جزئيا من استعدادها للتحدث علنا عن القضايا الحساسة مثل الفساد ومن ثم الاضطرابات في الجنوب.

وباتباع سلسلة متوالية من الأساليب التصعيدية، أسكتت الحكومة هذه الصحيفة. ففي 1 أيار/مايو 2009، أقدم رجال مسلحون يرتدون الزي المدني بمصادرة وحرق 16,500 نسخة من الصحيفة وهي في طريقها إلى العاصمة. وبعدها بيومين، صادر مأمورو الحكومة 50,000 نسخة أخرى، بحسب ما روته الصحيفة. وبحلول 4 أيار/مايو، طوقت القوات الحكومية مكاتب الصحيفة، ومنعت توزيع نسخها، وسمحت لموظفيها بمغادرة المبنى فقط مع عدم العودة إليه. وكان ذلك مؤشر ببدء الحظر الصريح لإصدار الصحيفة، والذي لا يزال ساريا حتى اليوم. (لم تكن صحيفة الأيام في أيار/مايو 2009 الهدف الوحيد للحكومة، وإنما كانت الهدف الأبرز. فقد منع مأمورو الحكومة في ذاك الأسبوع سبع صحف أخرى من الصدور بعد قيامها بتغطية الاضطرابات في الجنوب).

كما استمر الحصار الحكومي للمبنى الذي يضم بالإضافة إلى مكاتب صحيفة الأيام مساكن عائلة بشراحيل لمدة أسبوعين، وانتهى في أعقاب تبادل لإطلاق النار بين القوات الحكومية وحراس الصحيفة قُتل فيه أحد المارة وأصيب حارسان بجروح.

وفي شهر كانون الثاني/يناير، طوقت الشرطة ورجال الأمن مبنى صحيفة الأيام مجددا بعد أن نظم صحفيون من وسائل إعلامية مختلفة اعتصاما أمام مكاتب الصحيفة المحظورة. ومجددا، انتهت المواجهة بعد اندلاع أعمال عنف استخدمت فيها القوات الحكومية الأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية على المبنى. كما اعتقلت رئيس تحرير الصحيفة، هشام بشراحيل، ونجليه: هاني محرر الصفحة الرياضية ومحمد المدير التنفيذي للصحيفة، واحتجزت كلا منهم لمدة ثلاثة إلى أربعة أشهر. وخضع هشام البالغ من العمر 66 عاما بعد إطلاق سراحه إلى حظر على السفر حال دون تلقيه الرعاية الطبية خارج اليمن لعلاج أمراضه التنفسية، والسكري، والقرحة، ومشاكل القلب التي يعانيها. ولم ترفع الحكومة هذا الحظر إلا بعد أشهر من الضغط المحلي والدولي المتواصل.

وحسبما علمت لجنة حماية الصحفيين من المدير العام بشراحيل بشراحيل فإن موظفي صحيفة الأيام يواجهون تهما جنائية في ست قضايا منفصلة رُفعت أمام المحاكم المتخصصة. ويمثُل أربعة وعشرون موظفا، من ضمنهم هشام، وهاني، ومحمد بشراحيل، إضافة إلى مدير مطبعة الصحيفة وعدد من حراس الأمن، أمام المحكمة الجزائية المتخصصة بتهمة “تشكيل عصابة مسلحة” على خلفية ما حدث في مواجهات كانون الثاني/يناير. ولا تزال القضية منظورة أمام المحكمة.

أما القضايا الأخرى فمعروضة لدى محكمة الصحافة والمطبوعات في صنعاء، حيث يمثل رئيس تحرير الصحيفة هشام بشراحيل أمامها بتهم “التحريض على الانفصال” و”التحريض على العنف” وارتكاب جرائم أخرى ضد الدولة. وبحسب محامي الصحفية، سمح المدعون العامون للقضايا بأن تخمد في الأشهر الأخيرة، بيد أنه لم يتم إسقاط التهم رسميا.

إن عدم اليقين إزاء القضايا التي لا تزال قيد النظر هو عامل مشترك بين الصحفيين الذين يواجهون تهما جنائية. وفي شهر أيار/مايو، وفي خضم دعاية مكثفة، أصدر الرئيس علي عبد الله صالح ما أسماه “عفوا” عن جميع الصحفيين. ورغم أن العفو ينطبق في العادة على أولئك الذين أدينوا بالفعل بارتكاب جرائم واستنفدوا طعونهم، فقد أُطلق في الأيام التي تلت ذلك سراح عدد من الصحفيين الذين كانوا يواجهون تهما لم يُبت فيها. ولم يصدر أي تفسير رسمي “للعفو” الرئاسي، ولم تتبع ذلك أي أوامر قضائية رسمية.

متظاهرون في صنعاء أعربوا عن استنكارهم لعمليات الاحتجاز خارج نطاق القانون. (رويترز/خالد عبدالله)

وقد أخبر ثلاثة صحفيين آخرين على الأقل لجنة حماية الصحفيين بأن قضاياهم قد خمدت أيضا في الأشهر الأخيرة، غير أن التهم لم تسقط رسميا. في حين قال آخرون بأنهم تلقوا معلومات متضاربة بشأن وضع الاتهامات الموجهة لهم. ويُرجح أن يكون هذا الغموض الرسمي مقصودا، إذ قال عدد من الصحفيين الذين يواجهون تهما لا تزال منظورة للجنة حماية الصحفيين إنهم يتوارون عن الأنظار في سياق عملهم المهني كي لا تُفتح قضاياهم مجددا.

أما صحيفة الأيام التي كانت ذات يوم الصحيفة الأشهر والأبرز، فقد أصبحت في الوقت الحاضر ذكرى. ففي عام 2009، حاولت الصحيفة استئناف الطبع ثلاث مرات ولكنها جوبهت بمصادرات حكومية لجميع نسخها. وتقول عائلة بشراحيل بأن الحكومة أكدت لهم بأنها لن تسمح بتوزيع صحيفة الأيام مستقبلا.

ويقول بشراحيل بشراحيل للجنة حماية الصحفيين إن “وضع الصحفيين حاليا في اليمن وضع مزر. ومع أن الأساليب المستخدمة ضد صحيفة الأيام كانت أساليب استثنائية – فقد تم إغلاق صحيفتنا بالقوة العسكرية – إلا أنها تنسجم مع ما يقع على الصحفيين الآخرين في اليمن”.

وإذا أقر البرلمان مشاريع القوانين المنظورة أمامه كلها أوبعضها، فإن ذلك سيساهم مساهمة بالغة في إعداد غطاء قانوني للممارسات القمعية والعنيفة التي ترتكبها الحكومة. وفي هذا الصدد، يقول بشراحيل إن “القوانين المصممة لتكون ضبابية ولأن تركز السلطة في يد وزير الإعلام سوف تقضي ولا شك على ما تبقى من حرية التعبير في هذا البلد”.

***

توصيات لجنة حماية الصحفيين

إلى الحكومة اليمنية

إلى البلدان المانحة

Exit mobile version