تقرير خاص من لجنة حماية الصحفيين
السليمانية، العراق
نشر بتاريخ 5 مايو، 2008   
ده‌قی راپۆرتهكه به كوردی            English Version      


ناصر عبد الرحيم رشيد، 29 عاما، هو طالب جامعي سابق في تخصص علم الأحياء، ويعمل في الصحافة حاليا. ويعطي عوده النحيل وسلوكه الرزين فكرة خاطئة عن حضوره العنيف على صفحات الإنترنت. فبصفته كاتب مقالات لدى " كردستانبوست"، وهو موقع إخباري مشهور ناطق باللغة الكردية على شبكة الإنترنت يثير حنق المسؤولين العراقيين الأكراد، هاجم رشيد النظام السياسي في كردستان العراق وكذلك أفعال المسؤولين السياسيين قليلي الذمة. ففي مقالة نشرت الصيف الماضي، استهدف رشيد مقاتلين أكراد سابقين يعرفون بالبيشمركة الذين قاتلوا ذات يوم ضد صدام حسين، وقال إنه ينبغي اليوم "محاكمتهم لنهبهم ثروات الناس وممتلكاتهم".

هذه الانتقادات اللاذعة جلبت لرشيد اهتماما غير مرغوب، وقد كانت المسألة مسألة وقت فقط قبل أن يجتذب هذا الاهتمام.

فبينما كان عبدالرحيم رشيد يتمشى في السوق المركزية لبلدته حلبجة شرقي إقليم كردستان العراق في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أجبره أربعة رجال مسلحون يرتدون الزي العسكري على ركوب سيارة شحن من نوع "نيسان" كانت في الانتظار وقاموا بتكبيل يديه ورجليه ووضعوا كيسا على رأسه. وقال رشيد للجنة حماية الصحفيين في مقابلة أجرتها معه بعيد الحادثة في السليمانية، "لم أعرف أين كانوا يأخذونني. فقد قادوا السيارة لبضع ساعات ثم أخذوا طريقا كانت على ما يبدوا غير معبدة". ووفقا لرشيد قام الأربعة بإخراجه من السيارة وسددوا له لكمات وركلات وهددوه بالسلاح لحمله على التوقف عن العمل وإلا سيواجه الموت. ومن ثم أسرع المهاجمون بالابتعاد وتركوه وراءهم مصدوما ومكدوما.

يتمتع إقليم كردستان العراق، وهو منطقة جبلية في شمال العراق تأوي حوالي خمسة ملايين نسمة، باعتراف دولي يشهد على تسامحه في مجال حرية التعبير. وتقوم فئة قليلة مناكفة من الصحافة المستقلة، وبصفة دورية، بتحدّي الأحزاب السياسية الرئيسية في المنطقة – الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود برزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي جلال الطالباني – إذ تنشر مقالات جريئة حول فساد الحكومة وسوء إدارتها والآفات الاجتماعية وانتهاكات حقوق الإنسان. وقد أخذ عمل هذه الوسائل الإعلامية المطبوعة وعلى شبكة الإنترنت يتفوق على عمل وسائل الإعلام التي كانت مهيمنة في السابق وهي التي تتبع لهذه الأحزاب ذاتها وتتلقى منها تمويلا وافرا.

ولكن إثبات هذه الصحافة المستقلة لذاتها على هذا النحو المتسارع أثار تزايدا في القمع ضدها على مدى السنوات الثلاث الماضية، كما أظهر تحقيق قامت به لجنة حماية الصحفيين أن أشد الهجمات قد استهدفت أولئك الذين ينتقدون في كتاباتهم مسعود برزاني وجلال الطالباني ومسؤولين آخرين رفيعي المستوى. فقد تعرض ثلاثة صحفيين على الأقل للخطف والاعتداء على أيدي عملاء يشتبه بأنهم تابعون للحكومة أو متعاطفون معها، بينما تعرض عدد آخر من المراسلين الصحفيين لمعاملة خشنة ومضايقات أخرى. وحتى الآن، لم يجر اعتقال أي شخص فيما يتعلق بهذه الاعتداءات ولم يقدم مسؤولو حكومة إقليم كردستان، وهي السلطة الحاكمة شبه المستقلة، أي إجابات فيما يخص ذلك. أما الصحفيون الناقدون الذين تكلموا علنا ضد القادة الأكراد فقد جرى اعتقالهم على يد قوات الأمن وكذلك محاكمتهم بموجب القوانين الجنائية لعهد النظام البعثي التي تنص على عقوبات شديدة. وخلال السنة الماضية، دفع برلمان حكومة إقليم كردستان باتجاه وضع تشريعات أقسى من شأنها أن تفرض غرامات جديدة باهضة وتسمح للحكومة بإغلاق الصحف.

واستجابة على ذلك، أرسلت لجنة حماية الصحفيين بعثة لتقصي الحقائق لمدة أسبوعين إلى أربيل والسليمانية في شهري تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر من عام 2007 حيث التقت مع عشرات الصحفيين المستقلين والحزبيين. وفي أربيل، مقر حكومة إقليم كردستان، صرح مسؤولون ومشرعون بأنهم يتفهمون مخاوف لجنة حماية الصحفيين وأكدوا التزامهم بحرية الصحافة، إلا أنه لم يتمكنوا من تفسير الهجمات العنيفة التي استهدفت الصحفيين وقللوا من شأن القيود القانونية المفروضة على الصحافة وهاجموا العديد من الصحف المستقلة والمنشورات على شبكة الإنترنت ووصفوها بأنها صفحات فضائح ليس إلا. وعلاوة على ذلك، منع قادة الأحزاب أعضاءها من التحدث إلى الصحافة دونما ترخيص، كما شنت الصحف التابعة للأحزاب هجمات مريرة بانتظام على صحفيين مستقلين.

أجرت لجنة حماية الصحفيين مقابلة مع نوشروان مصطفى في مقره الواسع المقام على رأس تلة في السليمانية، هو زعيم سابق في الاتحاد الوطني الكردستاني، ويملك عدة وسائل إعلام، وقال "عندما تواجه مشاكل اجتماعية وسياسية فلديك خياران: إما أن تجري تغييرات وإما أن تكمم أفواه الصحفيين". كان نوشروان مصطفى الذي يتمتع بشخصية قيادية وعلى جانب من الثراء قد انشق عن الاتحاد الوطني الكردستاني ليطلق صحيفة ومحطة تلفزيونية خاصتين، وقال بأنه يخشى من أن مسؤولي الحزب المتشددين قد قرروا اتباع الخيار الثاني.

وعند سؤال المسؤولين الحكوميين والحزبيين عن القيود المفروضة على الصحافة، وضعوا الجزء الأكبر من اللوم على الصحفيين. قال رئيس دائرة العلاقات الخارجية في حكومة إقليم كردستان، فلاح بكير، للجنة حماية الصحفيين خلال اجتماع عقدته معه في أربيل، "نحن لا ندّعي الكمال... فعندما تمر بمرحلة انتقالية [نحو الديمقراطية] يتوجب عليك المرور بمراحل عدة". وأضاف، "أعتقد بأننا في كردستان العراق نتقدم خطوات للأمام. فنحن نريد أن تكون لدينا صحافة حرة ونريد أن يحظى الصحفيون بالاحترام وأن تُسمع أصوات الناس، ولكن [الصحفيين] يفتقرون إلى الخبرة المهنية".

أما كاوا مولود، رئيس تحرير صحيفة الاتحاد الوطني الكردستاني الرسمية، "الكردستاني الجديد" فيصيغ طرحه بصراحة بالقول، "إن أوجه القصور التي نشهدها لا تنبع من القيود المفروضة على الصحفيين، وإنما من غياب مثل تلك القيود".

إلا أن الصحافة الكردية العراقية لا تخلو من العيوب. فالصحف المستقلة ذات الميزانيات الضئيلة والموظفين ذوي التدريب الرسمي غير الكافي تتسم بمعايير مهنية متدنية نسبيا، كما أن تغطيتها متحيزة سياسيا بشكل كبير. وقال أكو محمد، الذي كان يعمل محررا في صحيفة "ميديا" التي تصدر في أربيل، "بعد الانتفاضات، لم يكن لدى الأكراد صحفيين، وإنما شعراء وكتاب وهم من أصبحوا صحفيين". وأضاف، "لم تكن الصحف تحتوي على أخبار، بل كانت جميعها عبارة عن مقالات رأي وكانت تشتمل على أيديولوجية معينة".

وبعد تحمل سنوات القمع السياسي وحملة الإبادة الجماعية عام 1988 على يد حكومة صدام حسين، فإن الكثيرين يعتبرون أن الأكراد العراقيين يمثلون قصة نجاح العراق. فبالاستفادة من أكثر من عقد ونصف من الاستقلال القائم بحكم الواقع والذي تبع حرب الخليج عام 1991، أصبح الأكراد العراقيون يمتلكون حكومة مستقرة نسبيا واقتصادا يشهد حاليا انتعاشا تنمويا واسعا. ورغم أن الإقليم قد شهد تفجيرات إرهابية متفرقة – استهدف تفجيران منها مكاتب حكومة إقليم كردستان والحزب الديمقراطي الكردستاني في أيار/مايو 2007 أوديا بحياة 45 شخصا على الأقل – إلا أن كردستان العراق قد اجتنب العنف المستمر في وسط العراق وجنوبه.

ينبري مسؤولو حكومة إقليم كردستان في ترويج الإقليم على أنه "العراق الآخر"، وقد تعاقدوا مع شركة "بربور غرفث آند روجرز"، وهي شركة ذات نفوذ مقرها واشنطن تختص في عمليات الضغط والترويج السياسي، وأكدوا على استقرار الإقليم وبيئته المواتية للأعمال التجارية، واحترام حقوق الإنسان. يقول رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان، نيجيرفان برزاني، في عام 2007 في نشرة دعائية مطبوعة على ورق مصقول وملحقة بمجلة "فورين أفيرز"، "الذي يحدث في إقليم كردستان (الديمقراطية وحرية التعبير والتنمية الاقتصادية) هو تحديدا ما كان العالم يأمل أن يحققه بعد إزالة الدكتاتور. فنحن بصدد إقامة نظام ديمقراطي مستقر في الشرق الأوسط"، وأضاف "أنا لا أفهم السبب وراء عدم الاعتراف بذلك في مناسبات أكثر".

وبالتأكيد فإن لحكومة إقليم كردستان مصلحة راسخة في حمل المجتمع الدولي وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية على تبني الصورة العامة التي قامت هي بترويجها. وتربط حكومة إقليم كردستان بالولايات المتحدة علاقات وثيقة إذ يسود الإقليم تأييد شعبي –غير مألوف- للولايات المتحدة والرئيس جورج دبليو بوش بفضل إطاحة الولايات المتحدة بنظام صدام حسين في عام 2003 وهو الأمر الذي دعمه الأكراد بحماس. وأثناء زيارة قام بها مسعود برزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان، إلى البيت الأبيض عام 2005، وصفه الرئيس بوش بأنه "رجل شجاع... وقف في وجه طاغية". كما يستضيف إقليم كردستان تواجدا عسكريا أمريكيا، وفي هذا الإطار دعت بعض الشخصيات السياسية في الولايات المتحدة مثل مرشحة الرئاسة عن الحزب الديمقراطي، هيلاري رودهام كلنتون، إلى إنشاء قواعد أمريكية دائمة فيه. واستثمرت الولايات المتحدة والتي وفرت الحماية للأكراد لأكثر من عقد من الزمن بعد حرب الخليج، مئات الملايين من الدولارات في الإقليم على شكل مساعدات إنسانية وإنمائية. وفي الوقت الراهن، تسعى حكومة إقليم كردستان إلى جذب استثمارات أجنبية جديدة لتطوير السياحة الدولية وعمليات إنتاج النفط.

ولكن من المرجح أن تبقى التوترات بين الأحزاب الحاكمة والصحافة المستقلة متأججة في المستقبل القريب. فعلى الرغم من النجاح الاقتصادي النسبي، ما زالت المنطقة تعاني من ارتفاع معدلات التضخم وسوء الخدمات العامة وتفاوت المستوى الاقتصادي ومزاعم متكررة بالفساد الحكومي – وتعتبر هذه الأمور جميعها قوتا تعتاش عليه الصحافة الناقدة. وبالرغم من جميع عيوبها، وفرت الصحافة المستقلة منبرا مهما لإيصال صوت المواطن العادي وتمحيص تصرفات السياسيين ذوي النفوذ في بيئة إعلامية كانت ستظل تحت هيمنة وسائل الإعلام الحزبية لولا وجود هذه الصحافة المستقلة.

يشكل الأكراد – والذي يمتد موطنهم عبر أراضي تركيا وإيران وسوريا والعراق – إحدى أكبر الجماعات العرقية في الشرق الأوسط إذ يبلغ تعدادهم حوالي 25 مليون نسمة، ويمثلون أيضا أكبر جماعة عرقية في العالم تحيا من دون دولة. ولقد عانى الأكراد العراقيون كما عانى إخوانهم في سائر الإقليم من الخيانة السياسية على يد الغرب والاضطهاد السياسي في الداخل.

بعد مرور وقت قصير على انتهاء حرب الخليج عام 1991، سحق جيش صدام ثورة ناشئة في منطقة كردستان العراق بعد مرور شهر على انطلاقتها. وفي نيسان/إبريل من ذلك العام، دخلت القوات الاميركية شمال العراق وأقامت ملاذا آمنا على رقعة واسعة من الإقليم كرد على الأزمة الإنسانية التي أثارها نزوح الآلاف من الأكراد الفارين من جيش صدام إلى الجبال. ومُنع الطيران العراقي من التحليق فوق منطقة "حظر الطيران" التي سيطرت عليها القوات الأميركية والبريطانية. وبحلول تشرين الأول/أكتوبر 1991، قرر صدام حسين سحب جيشه والإدارة الحكومية من جزء كبير من المنطقة الكردية مما مهّد لاستقلال كردستان العراق بحكم الواقع، والذي آل لسيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود برزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني. وقد عقد هذان الحزبان اتفاقية لتقاسم السلطة وجرت انتخابات برلمانية في عام 1992.

شهد إقليم كردستان العراق منذ ذلك الحين، وبعد أن كان مجتمعا زراعيا متخلف النمو في ظل حكم صدام حسين، توجها للسكان نحو السكن في المدن، وأخذ اقتصاده يعتمد على الإنشاءات والتجارة والعمل الحكومي بشكل أكبر. وتتكلم الأجيال الشابة من الأكراد العراقيين اللغة الكردية بالكامل تقريبا متجنبين اللغة العربية التي تعلمها آباؤهم وأمهاتهم في المدارس العراقية، حيث تسري مشاعر قوية فيما بين الأكراد تعبر عن رغبتهم في إدارة شؤونهم بأنفسهم وانفصالهم عن العراق.

وكذلك، فقد قلب استقلال الأكراد حديث العهد مشهد الساحة الإعلامية حيث أطلق الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني مجموعة جديدة من وسائل الإعلام شملت الصحافة والبث الإذاعي والتلفزيوني باللغتين العربية والكردية. وقد عرضت هذه الوسائل خطابا جديدا معارضا لنظام البعث ومعبرا عن تطلعات الأكراد. ولفترة تقارب عقدا من السنين، ظلت وسائل الإعلام الإخبارية خاضعة لسيطرة الأحزاب السياسية الكردية الحاكمة وكانت تعكس مصالح هذه الأحزاب وتتجنب توجيه الانتقادات لسياسياتها.

شهد عام 2000، بعد هدنة أعقبت انتهاء فترة حرب دموية اشتعلت بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي، ظهور أول صحيفة مستقلة في الإقليم تسمى "هاولاتي" (المواطن) قامت بتأسيسها مجموعة من المثقفين من مدينة السليمانية التي تخضع لسيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني، إذ أطلقوا هذه الصحيفة بعدد محدود من الموظفين واستثمار قدره 3,000 دولار أمريكي، وكان دافعهم غياب وسائل الإعلام التي يمكن أن تُخضع الأحزاب السياسية للمساءلة. وسرعان ما أصبحت "هاولاتي" الصحيفة الأكثر شعبية في الإقليم لنشرها مقالات ذات رؤية نقدية لأول مرة في الصحافة المحلية تنقد ممارسات الحكم للأحزاب الحاكمة. وبنبرة جماهيرية واضحة، شكلت موادها الإخبارية ومقالات الرأي فيها تحديا للهيمنة السياسية للأحزاب، والمحسوبية داخل الحكومة، وضعف الخدمات العامة. وفي الوقت الراهن، تعد صحيفة "هاولاتي" التي تصدر مرتين أسبوعيا الصحيفة الأوسع انتشارا في كردستان العراق بحجم توزيع يقدر بنحو 20,000 نسخة.

وأعقب صدور "هاولاتي" إطلاق عدد من الصحف المستقلة وشبه المستقلة الأخرى والتي يتركز معظمها في الشطر الخاضع للاتحاد الوطني الكردستاني الأكثر تحررا نسبيا والواقع شرق كردستان العراق. تنشر صحيفة "آوينه"، وهي ثاني الصحف المستقلة الرائدة في الإقليم بحجم توزيع يبلغ 15,000 نسخة تقريبا، مقالات نقدية تبرز الفساد – مثل تحقيق أجرته في شهر تشرين الأول/أكتوبر يتهم رجل أعمال كردي بسرقة 38 مليون دولار من أموال الحكومة المخصصة لشراء مركبات عسكرية. ومن الصحف الأخرى أيضا صحيفة "روزنامة" التي أُطلقت مؤخرا، وهي صحيفة يومية ناقدة أسسها نوشروان مصطفى. وهناك أيضا "الراديو الجديد" وهو أول محطة إذاعية غير حزبية في الإقليم، وبالرغم من تلقيها لبعض الدعم من الاتحاد الوطني الكردستاني والولايات المتحدة الأمريكية، إلا إن الإذاعة تبث برامج ناقدة. ولكن تبقى أكثر الانتقادات السياسية حدة منشورة على صفحات المجلات التي تصدر على شبكة الإنترنت، ومن بينها مجلة "كردستانبوست" التي يقع مقرها في السويد وتعرض مقالات رأي وأخرى سياسية ساخرة بقلم كتاب ومثقفين محليين ومن الشتات الكردستاني.

خرج سجل حرية الصحافة في كردستان العراق على الساحة الدولية بشدة لأول مرة في عام 2005 عندما اعتقلت السلطات في أربيل الكاتب النمساوي الكردي كمال سيد قادر، وحكمت عليه بعد محاكمة وجيزة بالسجن 30 عاما بسبب مقالات كان قد كتبها لصالح "كردستانبوست". وقد كان كمال قادر بالتأكيد متهورا في كتاباته، فإلى جانب اتهام مسعود برزاني وعائلته بالفساد فقد ادعى بأن عائلة برزاني ترتبط بعلاقات مع جهاز الاستخبارات الروسي (كيه جي بي) وأن نجل برزاني، مسرور، الذي يتولى منصب رئيس الاستخبارات لدى الحزب الديمقراطي الكردستاني كان "قوادا". أُطلق سراح قادر بعد خمسة أشهر على سجنه بعفو رئاسي، إلا أن هذه الملاحقة القضائية المتشددة دلت في نظر العديد من الصحفيين على تصعيد في تكتيكات الحكومة في تعاملها مع الصحافة. ومنذ ذلك الحين، تم اعتقال ما لا يقل عن سبعة صحفيين على يد المسؤولين، وقد صدر حكم بالسجن بحق ثلاثة منهم بينما تعرض عدد أخر إلى هجمات عنيفة، وذلك استنادا إلى البحث الذي أجرته لجنة حماية الصحفيين.

تعرض الصحفي ناباز غورين، 29 عاما، الذي يكتب في العديد من الصحف بما فيها "هاولاتي" و"آوينه" للاختطاف والاعتداء بطريقة مماثلة إلى حد ملفت للنظر لما حدث في تشرين الأول/أكتوبر مع الصحفي ناصر رشيد من " كردستانبوست". فقد أجبر خمسة رجال يرتدون الزي العسكري ويحملون أسلحة كلاشينكوف غورين على ركوب سيارة شحن حين مغادرته لنادي اتحاد الكتاب وسط مدينة أربيل في نيسان/إبريل 2007. ووصف ناباز غورين للجنة حماية الصحفيين أثناء مقابلة أجرتها معه في إحدى مقاهي أربيل ما حدث له، وقال "صوبوا مسدسا إلى رأسي وطلبوا مني أن أصعد في السيارة". كان غورين معصوب العينين وظل في السيارة وهي تتحرك لمدة نصف ساعة، ثم ألقاه الخاطفون في منطقة نائية، حيث تعرض للضرب بقضيب معدني وأعقاب البنادق. وكما حدث في حالة ناصر رشيد، حذر الخاطفون غورين بأن يتوقف عن الكتابة، حيث قال له أحدهم، "نحن هنا لنجعلك تتعقل حتى تمتنع عن الكتابة، فإذا واصلت الكتابة سنواصل نحن". وقد أُصيب غورين بكسر في الكاحل وتشققات في الأسنان وكدمات شديدة.

قال ناباز غورين إنه غير متأكد مما أثار الاعتداء، إلا أنه أشار إلى نشر عدد من مقالاته الناقدة حول العديد من المسؤولين بما في ذلك مقال يستهزئ من مواكب السيارات الرسمية لرئيس الوزراء نيجيرفان برزاني. وجاء في هذا المقال، "عندما يغادر رئيس الوزراء منزله، تتوقف الحياة!... فلا يجوز لأي مواطن ولا سيارة ولا طائر ولا حتى لنفس أن يتحرك حتى يستطيع صاحب السمو… أن يمرّ". وفي مقال آخر، اتهم غورين الرئيس مسعود برزاني بأنه مدير غير كفؤ "لا يمكنه أن يعقد رباط حذائه". وقال غورين إنه دخل في مجادلات مع مسؤول إعلامي لدى الحزب الديمقراطي الكردستاني، وكتب مقالات انتقده فيها، خلال الأيام التي سبقت الاعتداء.

يرى العديد من الصحفيين أن جهة رسمية تقف وراء هذه الاعتداءات. وأعرب المصور التلفزيوني أزو جمال مختار، 41 عاما، عن اعتقاده بأن الحكومة قد دبرت الانتقام منه حين استهدفه مهاجمون قرب حديقة "آزادي" في السليمانية في أيار/مايو 2007، إذ هاجمه ثلاثة رجال عند مغادرته مكتب رب عمله السابق، التلفزيون التعليمي الحكومي. ويعمل أزو مختار لحساب قناة "تشاو" (Chaw) التلفزيونية التي يملكها نوشروان مصطفى والتي ستطلق قريبا، كما يدير شقيقه كمال موقع " كردستانبوست" من السويد. وقال مختار أثناء مقابلة أجرتها معه لجنة حماية الصحفيين في إحدى صالات تقديم البيتزا في السليمانية بمكان ليس ببعيد عن موقع الحادثة، "كان الجو مظلما وكانت هناك سيارة تسد طريقي، ثم ترجّل منها بسرعة ثلاثة أشخاص مقنّعين كان اثنان منهم يمسكان بعصاتين بأيديهما بينما كان الثالث يحمل مسدسا، ثم قاموا بمهاجمة السيارة وأخرجوني منها". وقد لاذ مختار بالفرار بعد إصابته بجروح وكدمات. وأضاف بأن مسؤولي الاتحاد الوطني الكردستاني قد اشتكوا له في مناسبات عديدة بشأن " كردستانبوست" واتهموه بالكتابة لصالح هذا الموقع الإلكتروني وأصروا على أن يتوقف شقيقه عن توجيه الانتقادات للمسؤولين الأكراد.

أنكر المسؤولون الذين قابلتهم لجنة حماية الصحفيين مسؤوليتهم عن الهجمات وقالوا، على سبيل المثال، بأن البزات العسكرية التي كان يرتديها المهاجمون متاحة للعموم. وفي رد مكتوب حول شواغل لجنة حماية الصحفيين مؤرخ بتاريخ شباط/فبراير، قال رئيس دائرة العلاقات الخارجية في حكومة إقليم كردستان فلاح بكير بأن الهجمات لا زالت قيد التحقيق. وجاء في الرسالة أن "رئيس الوزراء نيجيرفان برزاني وجميع الجهات المعنية في إقليم كردستان تأخذ هذه الهجمات على محمل الجد... إن حماية الحق في حرية التعبير هو من أولويات هذه الحكومة". ويضيف فلاح بكير، "أملي أن تأخذ هذه التحقيقات مجراها وأن يتم تقديم مرتكبيها إلى العدالة".

وإلى حد ما، حققت الهجمات وأساليب الترهيب أهدافها إذ دفعت بعض الصحفيين إلى تغيير جداول أعمالهم كي يتفادوا الخروج في الليل. يقول طارق فاتح، 37 عاما، وهو ناشر صحيفة "هاولاتي" بأنه بدأ يحدّ من نشاطاته التي يؤديها ليلا بعد أن هوجم على يد عدة رجال مجهولين في أحد المطاعم وسط مدينة السليمانية. أما توانا عثمان، وهو محرر سابق ومستشار حالي لدى صحيفة "هاولاتي"، فيقول بأن المسؤولين أوصلوا إلى الصحيفة نصيحة "ودّية" تحث الموظفين على تجنب الذهاب إلى النوادي في الليل وأن يُغيّروا النمط المعتاد لتنقلاتهم بين الحين والآخر.

وسط التوترات الأخيرة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني الذي يتخذ من كردستان العراق مقرا له، أقدمت السلطات الأمنية على منع الصحفيين بانتظام من الذهاب إلى معقل المتمردين في منطقة جبل قنديل. وقد وردت تقارير عن مناوشات حدودية وقصف تركي منذ أواخر عام 2007 كما قامت تركيا باجتياح بري استمر لثمانية أيام في كردستان العراق في شباط/فبراير. وحسب التقارير، فقد تعرض بعض الصحفيين الذين حاولوا تغطية الأحداث للاعتداء من قبل قوات الأمن هذه.

قامت الشرطة وقوات الأمن المعروفة باسم "آسايش"، وبتواتر أكبر، باعتقال صحفيين تعسفا أو حبسهم وفقا لأوامر صادرة عن المحكمة فيما يتعلق بشكاوى التشهير الجنائي. وفي حالات أخرى، قامت قوات الأمن بمضايقة الصحفيين الذين يغطون الاحتجاجات العامة وصادرت معداتهم كما حصل أثناء تغطيتهم لاحتجاجات ضد الحكومة عام 2006 في مدينة حلبجة.

أحمد ميرا، هو محرر صحفي شاب وأنيق يعمل في مجلة "ليفين" الشهرية المتخصصة بالتحقيقات الصحفية، ويدير المجلة من مكتب صغير في الطابق الأخير لمبنى تجاري بالقرب من السوق المركزية دائبة الحركة في السليمانية. وكان يعمل سابقا مدرسا في إحدى المدارس، وقد كانت له مواجهة مع قوات "آسايش" بعد أن نشرت مجلته قصة رئيسية تتناول الوضع الصحي للرئيس جلال الطالباني والصراع على السلطة الذي يمكن أن يحدث ضمن صفوف الاتحاد الوطني الكردستاني في سياق خلافته. تذكر المقالة، تحت عنوان "تركة رجل مريض"، بأن التدهور المزعوم لصحة الطالباني قد تسبب في خلق توترات سياسية "لأن ثمة كثيرين في الاتحاد الوطني الكردستاني ينتظرون أن تحين ساعة الصفر كي يخلفوا الطالباني". وجاء رد الفعل سريعا.


استدعت قوات "آسايش" في السليمانية أحمد ميرا للاستجواب يوم 16 نيسان/إبريل 2007، وهو اليوم الذي صدرت فيه المجلة وظهرت في أكشاك بيع الصحف. وقال أحمد للجنة حماية الصحفيين في مقابلة في المكتب المتواضع لمجلة "ليفين"، "لقد قيل لي بأن المقالة تعكر صفو الأمن القومي". طُلب من ميرا تدوين معلوماته الشخصية بما في ذلك رقم رخصة قيادته ومعلومات حول توظيفه وعن أسرته. إلا أن هذا لم يكن نهاية مشكلته، إذ يقول، "جاء في اليوم التالي مجموعة من رجال الأمن إلى بيتي مرتدين ملابس مدنية وأخذوني إلى مكتب الأمن دون إذن قضائي بذلك". ويضيف واصفا كيف اعتقله الرجال بصورة غير متوقعة بينما كان في الشارع "وضعوا القيود في يدي ووضعني في غرفة وحيدا". احتجز ميرا حتى اليوم التالي وجرى استجوابه وتوبيخه لقيامه بإهانة الطالباني.

وكذلك طالت الاعتقالات البارزة الأخرى هاوز هاوزي الكاتب لدى صحيفة "هاولاتي" والذي اعتقلته قوات الأمن مرتين في عام 2006، حيث كانت المرة الأولى في آذار/مارس بعد كتابته مقالا وصف فيه مسعود برزاني وجلال الطالباني بأنهما فراعنة ينبغي لهما مغادرة البلاد إذا كانا غير قادرين على إصلاحها. وبعد تلك الحادثة بشهرين، اعتقل من جديد واحتجز لعدة أيام بعد أن كتب مقالا يصف فيه محنته على أيدي قوات الأمن. يقول زملاؤه في صحيفة "هاولاتي" بأنه بعد ذلك فر إلى سوريا بسبب مخاوف متعلقة بسلامته. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2007، اعتقل عملاء قوات "آسايش" فيصل غزالة مراسل تلفزيون "كردسات" التابع للاتحاد الوطني الكردستاني في الموصل. يقول فيصل غزالة بأنه تعرض للضرب المبرح بالهراوات بينما قدم المستجوبون ادعاءات مبهمة مفادها أنه تعاون مع الإرهابيين بتصويره لهجماتهم. وقال إن إحدى المحاكم أمرت في الشهر التالي بالإفراج عنه بعد فشل التحقيقات بإثبات دليل يجرمه.

يقول الممثل الإعلامي لدى الاتحاد الوطني الكردستاني آزاد جندياني، أحد المنتقدين بشدة للصحافة المستقلة، في معرض حديثه للجنة حماية الصحفيين، "تم إلقاء القبض على جميع أولئك الذين اعتقلوا وفقا لقوانين قائمة... نحن بحاجة إلى تغيير القانون وعندها لن تكون لدينا مشكلة اعتقال الصحفيين".

تعود القوانين التي ذكرها آزاد جندياني إلى حقبة البعث وهي تتيح للمسؤولين الحكوميين مضايقة الصحفيين المستقليين المزعجين ومقاضاتهم وتكميم أفواههم.

بعد نيل الاستقلال الذي قام بحكم الواقع عام 1991، بدأ الأكراد العراقيون بإلغاء أو استبدال القوانين العراقية التي تعتبر "متنافية مع رفاه الشعب" إلا أنهم لم يمسوا قانون العقوبات لسنة 1969 وقانون الإجراءات الجنائية. وقد استُخدم قانون العقوبات مرارا وتكرارا من قبل المسؤولين الساعين لاتخاذ إجراءات صارمة بحق صحفيين ناقدين – ويجيز هذا القانون الاحتجاز السابق للمحاكمة والسجن في طائفة واسعة من "المخالفات" المتعلقة بالتعبير. تعتبر المادة 433 والتي تجرم القذف وتجيز الغرامات والسجن بحق المعتدين إحدى أكثر النصوص التشريعية استعمالا. كما أن طباعة تعليق فيه اعتداء في إحدى الصحف يعتبر ظرفا مشددا للعقوبة. وتنص مواد أخرى من قانون العقوبات على عقوبات لمخالفات مبهمة كنشر معلومات كاذبة أو إهانة موظفي القطاع العام أو "المجتمع العربي" أو بلد أجنبي.

ووفقا لتحليل قامت به لجنة حماية الصحفيين، فإن المحاكم مكتظة بالقضاة المواليين الذين أصدروا أحكاما قاسية كما كان متوقعا بحق الصحفيين. يقول أسوس هاردي، وهو محرر سابق في صحيفة "هاولاتي" ويرأس حاليا أسبوعية "آونيه"، "يجري تعيين القضاة من قبل الأحزاب السياسية، وهكذا يمكنك أن تدرك مدى صعوبة أن يقوموا باتخاذ قرار مستقل حينما تكون إحدى الأحزاب السياسية معنية بالقضية". كانت إجراءات المحاكمة التي أجريت في كانون الأول/ ديسمبر 2005 بحق كمال قادر الذي يكتب على صفحات الإنترنت غير عادلة جهارا نهارا إذ تمت إدانته والحكم عليه في جلسة استغرقت أقل من ساعة.

ومنذ ذلك الحين، استمرت سلسلة من القضايا الجنائية الأخرى في استهداف الصحف المستقلة لا سيما صحيفة "هاولاتي". وبعد أشهر فقط من إدانة كمال قادر، حكمت محكمة جنائية في السليمانية على توانا عثمان وأسوس هاردي، وهما محرران سابقان لدى صحيفة "هاولاتي"، بالسجن مدة ستة أشهر مع وقف التنفيذ وذلك لنشر مقال يزعم إن نائب رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان، عمر فتاح، قد أمر بفصل اثنين من موظفي شركة الاتصالات بعد أن قاما بقطع خط هاتفه لعدم سداده الفاتورة. وقد حكم على هاردي في وقت سابق بالسجن لمدة سنة مع وقف التنفيذ، بتهمة إهانة أحد مساعدي رئيس الوزراء نيجيرفان برزاني، وذلك لقيامه بنشر رسالة مفتوحة من أحد الفنانين يقول فيها إن مكتب رئيس الوزراء لم يدفع له لقاء أعمال فنية قد أخذها.

تقول صحيفة "هاولاتي" بأن ما لا يقل عن 50 شكوى جنائية قد قُدِّمت بحقها من قبل مسؤولين حكوميين ومواطنين منذ اطلاقها. كما كانت هناك حالة أخرى أضيفت إلى هذه القائمة في كانون الثاني/يناير عندما أطلق جلال الطالباني دعوى جنائية ضد الصحيفة بعد أن ترجمت مقتطفات ونشرتها من مقال للباحث الأمريكي مايكل روبن من مركز الأبحاث المحافظ "أميريكان إنتربرايز إنستيتيوت". وقد تضمن المقال انتقادات شديدة اللهجة ضد الطالباني وبرزاني، حيث خلص إلى أن "عدم موثوقية قيادة [كردستان العراق] تجعل من أي تحالف أمريكي-كردي تصرفا غير حكيم". أما الأمر الذي أثار حفيظة الطالباني على ما يبدو فهو تأكيد روبن على أن الزعيمين قد كدّسا ثروة كبيرة أثناء توليهما السلطة.

ويبدو أن المخاوف بشأن صرامة قوانين الإعلام القائمة منذ حقبة البعث، قد حفزت حكومة إقليم كردستان، وإن مبدئيا، على سن تشريع أكثر تحررا في عام 2007. وبالرغم من ذلك وفي حركة تعد مثيرة للدهشة، قام برلمان حكومة إقليم كردستان في شهر كانون الأول/ديسمبر بتشديد القيود المفروضة في مشروع القانون الذي كان قيد النقاش معظم السنة إلى حد كبير.

نص مشروع القانون، الذي نشرته صحيفة "روزنامة" اليومية بتاريخ 6 كانون الثاني/يناير، على فرض غرامات تتراوح بين 3 ملايين دينار عراقي (ما يعادل 2,450 دولار أمريكي) و 10 ملايين دينار عراقي (ما يعادل 8,200 دولار أمريكي) بالإضافة إلى تعليق صدور الصحف مدة ستة أشهر لمخالفات مبهمة كتعكير صفو الأمن و "بث الخوف" أو "تشجيع الإرهاب". وبالنظر إلى الوضع المالي الهش للصحف المستقلة – حيث يعمل العديد بخسارة أو بالكاد يخرج متعادلا – فإن اللغة الفضفاضة لمشروع القانون يمكن أن تتيح للقضاة الموالين للأحزاب السياسية فرض غرامات باهضة على الصحف الناقدة بحيث تؤدي إلى إفلاسها. كما وضع مشروع القانون غرامات مماثلة ضد الذين "يهينون المعتقدات الدينية" أو "يشوهون العادات أو الآداب العامة" أو ينشرون أي شيء "يتصل بحياة الأفراد الخاصة – حتى وإن كان الخبر المنشور صحيحا – إذا كان ذلك يهينهم".

أثارت موافقة البرلمان على مشروع قانون الصحافة عاصفة من الانتقادات من جانب الصحفيين الأكراد العراقيين ولجنة حماية الصحفيين مما حدا بالرئيس برزاني أن يستخدم حق النقض ويعيد مشروع القانون إلى البرلمان لمراجعته.

بعد التحرر من أغلال صدام حسين منذ 17 سنة، قطع أكراد العراق خطوات كبيرة مبتعدين عن السيطرة الاستبدادية التي سادت حقبة نظام البعث وطوروا إعلاما إخباريا حيويا. وما يجري الآن هو تقويض لتلك المكاسب رغم أن سلطات كردستان العراق، وفي هذه اللحظة ذاتها، تحاول أن تحسن صورة الإقليم أمام العالم.

يقول عدنان عثمان، المحرر في صحيفة "رزنامة" مستشهدا بعدد الهجمات وكذلك تزايد حدة الخطاب العدواني لمسؤولي الحكومة، "نحن نرزح تحت ضغط أكبر الآن، فالوضع السياسي معقد والوضع الأمني خطير. وهذه الأحزاب لا تريد إلا سماع آرائها فقط".

يجادل المسؤولون الأكراد العراقيون بقولهم إن بناء مجتمع ديمقراطي يتطلب وقتا وإنه لا مناص من حدوث بعض العثرات. ومع ذلك، يبدو أن التوجه الحالي يسير نحو قمع متنام للصحافة وهو ما يتعارض وخطابات حكومة إقليم كردستان المنمقة عن كون الإقليم يمثّل "العراق الآخر" حيث تسود الحرية والاستقرار. فإذا كان المسؤولون الأكراد جادين في اعلانهم على الملأ دعمهم للديمقراطية وسيادة القانون، فحريّ بهم أن يتخذوا موقفا حاسما ضد الهجمات العنيفة على الصحافة وأن يضعوا حدا للملاحقات الجنائية الملفقة واعتقال المراسلين الصحفيين وأن يتخلصوا من القوانين المقيدة المستخدمة لقمع الصحافة. وفي هذا السياق، ستشكل مناقشات البرلمان حول مشروع قانون الصحافة الجديد مقياسا جيدا لنوايا الحكومة.

جويل كمبانيا هو منسق برامج متقدم ومسؤول عن قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى لجنة حماية الصحفيين.



توصيات لحكومة إقليم كردستان

تناشد لجنة حماية الصحفيين الرئيس الإقليمي ورئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود برزاني والرئيس العراقي ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني ورئيس الوزراء الإقليمي نيجيرفان برزاني وحكومة إقليم كردستان أن يتبنوا فورا التوصيات التالية:

  • الإدانة العلنية للهجمات العنيفة وأعمال الترهيب وغيرها من الجرائم التي ترتكب بحق العاملين في الصحافة. وضمان إجراء تحقيقات شاملة وشفافة بخصوص هذه الهجمات وإعلان نتائجها. وضمان إجراء تحقيقات فورية حال حدوث أي هجمات في المستقبل.

  • وضع حد لاحتجاز الصحفيين بسبب عملهم، وهو تكتيك تستخدمه قوات "آسايش" الأمنية وغيرها من السلطات الإقليمية. وإيقاف أشكال التدخل الرسمي الأخرى بالصحافة كتوجيه التهديدات للصحفيين أو فصلهم من عملهم أو أي أشكال أخرى من التدخل في عمل الصحفيين.

  • إلغاء أحكام قانون حكومة إقليم كردستان التي تنتهك الحق المحمي دوليا والذي ينص على حرية "التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أومطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها"، وذلك بحسب ما تكفله المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي وقع عليه العراق. وينبغي إبطال المواد القانونية التي تنص على عقوبة السجن، وتحظر العمل لوسائل الإعلام، وتفرض غرامات باهضة وتنص على محظورات مبهمة وتفرض متطلبات مهنية. ويجب الامتناع عن المصادقة على أي مشروع قانون أو توقيعه إذا كان يتضمن أيا من هذه التدابير أو إذا كان ينتهك المعايير الدولية لحرية الصحافة بشكل عام.

  • تعليق العمل بمواد قانون العقوبات – بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر المواد 210 ، 211 ، 233 ، 433 – والتي تجرم التشهير والسب والقذف ونشر المعلومات "الكاذبة". وإيجاد تدابير ملائمة لدعاوى التشهير المدنية أو تعزيز التدابير القائمة.


    العودة إلى المقالة