In the Fall/Winter 2007 issue

إصدار من
لجنة حماية الصحفيين



القاهرة، مصر 

نشر بتاريخ 17 اكتوبر 2007    

الشقة ذات الإضاءة الخافتة في الطابق الخامس من البناية الواقعة في 34 شارع إسماعيل سري، في وسط القاهرة، تبدو تقريبا على حالها كما بدت قبل أربع سنوات عندما تواجد فيها رضا هلال للمرة الأخيرة. فما زالت أرفف الكتب العالية الممتدة على جدران غرفة المعيشة وغرفة المكتب المجاورة تمتلئ بعناوين كتب عربية وإنجليزية سياسية واقتصادية ودينية. وثمة كمبيوتر شخصي على طاولة المكتب الخشبية الكبيرة، بانتظار من يستخدمه.

على الرغم من المظاهر، إلا أن رضا هلال ، وهو أحد كبار المحررين في الصحيفة العربية المصرية الرئيسية "الأهرام"، لا يبدو أقرب إلى العودة إلى بيته اليوم من ذلك اليوم الصيفي القائظ في 11 أغسطس (آب) 2003. في ذلك اليوم، قيل إن رضا هلال توجه إلى بيته بعد يوم عمل روتيني في "الأهرام". وبعد ذلك اختفى ببساطة. ولم يسمع أحد منه أي شيء منذ ذلك الوقت، وليس هناك سوى إشارات قليلة تدل على مصيره.


وقال وائل الأبراشي، رئيس تحرير الصحيفة الأسبوعية المستقلة "صوت الأمة"، والذي ظل يتابع قضية هلال: "نوعية الاختفاء بهذا الشكل، وكأن الأرض انشقت وابتلعته".

على الرغم من السجل الرديء لمصر في مجال حقوق الإنسان والحريات الصحفية، فإن حالات "الاختفاء القسري" أو الاغتيال ضد الصحفيين نادرة. ولم تحدث من قبل أبدا حالة مثل هذه يتعرض لها موظف كبير في صحيفة بارزة ومؤيدة للحكومة مثل "الأهرام"—والتي يعين رئيس تحريرها من قبل رئيس الجمهورية. وقد سعت أسرة هلال وعدد من أصدقائه للحصول على إجابات، ولكن دون فائدة، وزعمت أجهزة الأمن المصرية الهائلة أنها لم تتمكن من حل القضية. وقد أدى الغياب شبه الكلي لأية معلومات حول مصيره إلى حالة من الحيرة والقلق بين الصحفيين المصريين.

ومما يثير الحيرة بدرجة مشابهة، هو صمت زملائه، الذين تجاهلوا محنته خلال السنوات الأربع الأخيرة—وقد يكون الدافع وراء ذلك الآراء غير الشعبية التي كان يعبر عنها هلال والمؤيدة للولايات المتحدة الأمريكية، ودعمه للعلاقات مع إسرائيل، وكذلك الخوف إلى حد ما. أما صحيفة "الأهرام" التي كان يعمل بها هلال، والتي تعتبر من أكبر وأشهر الصحف في العالم العربي، فلم تنشر عنه سوى النزر اليسير خلال ثلاث سنوات. إن هلال رجل منسي في مصر وفي المنطقة بصفة عامة.

بصرف النظر عما حدث لرضا هلال ومن هي الجهة التي تقف وراء اختفائه الغريب، فإن أسرته وعدد قليل من الصحفيين والنشطاء في مجال حقوق الإنسان، منزعجون من اخفاق الحكومة المصرية في القاء الضوء على هذه القضية.

وقال جمال فهمي، وهو كاتب صحفي وعضو في مجلس أمناء نقابة الصحفيين المصريين، : "المسؤولية عن الاختفاء الغريب لزميلنا رضا هلال تقع على كاهل الدولة والحكومة. هذا الصمت الفظيع مستمر منذ سنوات، وهذا من شأنه إثارة مزيد من الشكوك لدى الناس".


حسب جميع الروايات، بدأ يوم الاثنين، الموافق 11 أغسطس (آب) 2003، بداية روتينية لهلال. ففي الصباح الباكر، جلب بواب العمارة صحف الصباح وعلبة سجائر، حسب العادة اليومية، إلى هلال في الشقة التي كان يعيش فيها وحيدا منذ خمس سنوات. كان هلال، الذي يبلغ من العمر 45 عاما، يعاني آنذاك من الزكام؛ فقد طلب لاحقا زجاجة من عصير البرتقال الطازج، والتي أحضرها له بواب العمارة لاحقا. ذهب هلال إلى العمل قبل الساعة العاشرة صباحا، وربما يكون قد استقل سيارة تكسي من شارع قصر العيني المزدحم، الذي يبعد مسافة قصيرة عن شقته.

ووفقا لما نشرته صحيفة "الأهرام" وصحف أخرى، أمضى هلال عدة ساعات في مكاتب "الأهرام" الواقعة في شارع الجلاء في وسط القاهرة. وقبل مغادرة المكتب بعد الظهر، طلب وجبة غداء كما يفعل عادة من مطعم أبو شقرة، وهو مطعم كباب شهير يقع على مسافة قصيرة من شقته. وفي حوالي الساعة 2:40 بعد الظهر، وفقا لما أورته صحيفة الأهرام، أقله سائق يعمل في الصحيفة إلى شقته، ومن المفترض أنه أوصله إلى مدخل العمارة.

وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي رآه فيها أي شخص.

عندما وصل عامل من مطعم أبو شقرة إلى شقة هلال لتوصيل الطعام في حوالي الساعة 3:30 بعد الظهر، لم يجب أحدا عند قرع باب الشقة. ووفقا للرواية التي نشرتها صحيفة "الأهرام" كان باب الشقة مقفلا بقفل، وهو ما اعتاد هلال أن يفعله عندما يغادر لعدة ساعات أو أكثر. ومر يومان قبل أن يتبين زملاؤه وأسرته أن أمرا مريبا قد حدث.

في 13 أغسطس (آب)، بدأ زملاء هلال يتساءلون عن سبب عدم حضوره للعمل؛ لا سيما وأنه كان مكلفا في ذلك اليوم بالإشراف على إرسال الصحيفة إلى المطبعة. وقال شقيق هلال البالغ من العمر 43 عاما، ويدعى سيد، للجنة حماية الصحفيين، "وصلني اتصال من صحيفة الأهرام وسألوا ما إذا كان رضا موجودا معي، وقلت لا. وسألتهم عن السبب فقالوا إنه لم يأت إلى المكتب". وسارع سيد، الذي يعيش في مدينة المنصورة الواقعة في دلتا النيل، بالذهاب إلى القاهرة بصحبة ابن شقيقته، ماهر. وعندما وصلا، ساعدهما البواب في كسر قفل الباب والدخول إلى الشقة، والتي لم يبدو فيها أي أثر لشجار. ولم يكن هناك أي شيء غير عادي سوى أن نوافذ غرفة الاستقبال كانت مفتوحة على غير العادة، وأن توصيلة جهاز الفاكس والرد الآلي كانت غير موصولة بالكهرباء.


وقال سيد أنه تحدث مع أخيه في اليوم السابق للاختفاء، وإنه لم يلاحظ أي شيء غير عادي. وقد ذهب إلى مركز شرطة السيدة زينب القريب للإبلاغ عن اختفاء أخيه.


شنت الشرطة المصرية والأجهزة الأمنية ما دعته صحيفة "الأهرام" عملية بحث "شاملة" و "رفيعة المستوى" للعثور على المحرر الصحفي المختفي. وبحسب التقارير، قام المحققون بتمشيط شقة هلال بحثا عن أدلة واستجوبوا أصدقاءه وزملاءه. وعلى مر التحقيقات، لم يصدر عن مسؤولي أجهزة الأمن المصرية أي تصريحات، على الرغم من أن "الأهرام" نشرت سردا مشحونا بالإطراء على عملهم المبكر في القضية. وأوردت الصحيفة في 23 أغسطس (آب) 2003 إن "فريق البحث الأمني الذي يترأسه السيد حبيب العادلي وزير الداخلية بنفسه ويضم نحو 300 ضابط لم يدع خيطا سياسيا أو جنائيا، دوليا أو محليا إلى وبدأ في تتبعه، لكن هذه الأجهزة تعمل كعادتها في سرية وتكتم ولا تعلن عن كل ما تتوصل إليه، فهي تؤمن أن العبرة بالنتائج، وأن التصريح قد تتبعه أقاويل تشهر بالأبرياء".

في الأسابيع التي تلت اختفاء هلال، تم الاقتباس عن مسؤولين أمنيين قولهم إنهم يعتقدون أن القضية ليست سياسية، وإنها قد تكون مرتبطة بشؤون شخصية، وإنهم يتابعون عددا من الأدلة. ونشرت صحيفة "الأخبار" اليومية المدعومة من الحكومة نصوصا لرسائل صوتية زعمت إنها كانت موجودة على آلة الرد الآلي التابعة لهلال، بما في ذلك عدة رسائل من نساء، وكانت إحدى تلك النساء تذكر هلال بحفلة مقبلة يقيمها السفير الأمريكي. ولكن بعد عدة أشهر، تم إعلام سيد هلال إن التحقيقات توقفت، وإنها ستتواصل في حال ظهور أدلة جديدة.

وقال حافظ أبو سعدة، الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، "نحن لم نحصل سوى على تلميحات صدرت عن مصادر أمنية، وقد زعمت بأن علاقات هلال الشخصية قد يكون لها دور في اختفائه. لقد تحدثت في البداية عن ما يسمى ’علاقاته بالنساء‘، ثم لجأت إلى الصمت".

قامت صحف الإثارة وصحف أخرى في المنطقة أحيانا بنشر تقارير مريبة غير موثقة تزعم أن هلال قد شوهد خارج البلاد، أو إنه في إسرائيل، أو إن الأجهزة الأمنية لدولة غير محددة قد اعتقلته بسبب محاولته نشر سبق صحفي حول موضوع خطير. برز التطور الذي حاز على أكبر تغطية إعلامية في يوليو (تموز) 2005، عندما ادعت منظمة الجهاد الإسلامي المصرية انها قتلت هلال بعد فترة وجيزة من اختطافه، علما أنه كان من الناقدين البارزين للتطرف الإسلامي. وقد ورد هذا الزعم في رسالة إلكترونية (إيميل) تهديدية أرسلت إلى الكاتب المصري العلماني سيد القمني، تحذره من أنه سيلاقي المصير ذاته الذي لاقاه هلال، والذي زعمت الجماعة إنها "قتلته بالرصاص". وما عدا استثناءات قليلة، فقد شكك صحفيون، ونشطاء في مجال حقوق الإنسان، وإسلاميون متنفذون بصدقية الزعم، وأشاروا إلى أن الرسالة الإلكترونية أرسلت بعد وقت طويل من الاختفاء، وإن هلال لم يكن يعتبر من أبرز أعداء المتطرفين على الرغم من أنه كان ينتقدهم بشدة.

وبعد مرور أربع سنوات، لم تصدر السلطات المصرية حتى الآن تفاصيل التحقيقات التي أجرتها، وقد تم نسيان القضية تماما.

وقال حافظ أبو سعدة، الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، "هناك تناقضات عديدة وتضارب بين الرويات المختلفة لاختفاء هلال. وليس هناك دليل واضح على أنه عاد إلى شقته من العمل. ووفقا لإحدى الروايات، فقد توجه لبلد مجاور. ... ولغاية الآن، فإننا لم نر أي سيناريو جدي للقضية".

قدمت لجنة حماية الصحفيين طلبات متكررة للاجتماع مع مسؤولين من وزارة الإعلام ووزارة الداخلية في القاهرة لمناقشة القضية، وقد تم تقديم الطلبات من خلال السفارة المصرية في واشنطن، ولكن تم تجاهل تلك الطلبات. وقال متحدث باسم السفارة للجنة حماية الصحفيين في شهر أغسطس (آب)، "الحكومة ما زالت تواصل تحقيقاتها في قضية رضا هلال، ولغاية الآن لم تنتج التحقيقات أي معلومات مهمة حول الاختفاء. ومع ذلك، فإن الحكومة تتابع هذه القضية بجدية كبيرة، وعندما ينتج عن التحقيقات أي معلومات مهمة، ستعلن عنها الحكومة".

ثمة بضعة مفارقات في القضية تثير التساؤلات. على الرغم من أن صحيفة "الأهرام" أوردت إن السائق أوصل هلال إلى شقته يوم الاختفاء، إلا أنه لا يوجد أي شاهد يؤكد هذا الزعم. وقال بواب العمارة، أشرف أبو الحسن، الذي يعمل هناك منذ عشر سنوات، للجنة حماية الصحفيين إنه كان على رأس عمله يوم اختفاء هلال، ولكنه لم يره أبدا يعود إلى منزله بعد ظهيرة ذلك اليوم. ولم يذكر البواب ولا زبائن مقهى "زوزو" المجاور إنهم رأوا أي نشاط غير عادي في ذلك اليوم. ولم تنجح مساعي لجنة حماية الصحفيين في تحديد مكان السائق، المدعو سيد عبد العاطي. وقال سيد هلال إن صحيفة "الأهرام" رفضت طلباته بالتحدث مباشرة مع السائق.

لم يستجب رئيس تحرير صحيفة "الأهرام"، أسامة سرايا، لطلبات متكررة من لجنة حماية الصحفيين لعقد مقابلة معه. وفي بدايات شهر سبتمبر (أيلول)، أبلغت سكرتاريا صحيفة "الأهرام" لجنة حماية الصحفيين إن أسامة سرايا مستعد للتعليق على القضية، ولكنه لم يرد على أسئلة لجنة حماية الصحفيين التي أرسلتها لاحقا بوساطة البريد الإلكتروني.

ويعتقد سيد هلال أن أخاه لم يصل إلى شقته أبدا في ذلك اليوم، وإنه اختفى في طريقه إلى المنزل عائدا من العمل.


وفقا لزملائه وأفراد أسرته، لم يكن هلال على الرغم من آرائه السياسية غير الشعبية، من الصحفيين الذين يتزعمون حملات إعلامية ويتوقع المرء أن يكونوا في خطر جراء عملهم. وكصحفي محترف مؤيد للحكومة، انضم إلى صحيفة "الأهرام" في أواسط عقد الثمانينات، وبعد ذلك كتب في صحف عربية أخرى. وفي بدايات عقد التسعينات، أمضى وقتا في نيويورك كمراسل لصحيفة "العالم اليوم"، وعاد بعد ذلك إلى مصر للانضمام إلى الشريحة العليا من الإعلام الحكومي المصري، حيث تمت ترقيته إلى منصب نائب محرر، وهو منصب خوله من الناحية العملية بتحديد ما يجوز نشره وما لا يجوز نشره على صفحات "الأهرام". وكان يكتب عمودا صحفيا أسبوعيا، وكان كاتبا غزير الإنتاج، إذ أصدر عدة كتب حول الاقتصاد، وسياسات الولايات المتحدة، والإسلام، والعلاقات الأمريكية الإسلامية.

وفي صحيفة "الأهرام"، وصفه زملاؤه كتابع لإبراهيم نافع، الذي كان حينها رئيس تحرير الصحيفة، إذ كان ينفذ إملاءات نافع في نقابة الصحفيين المصريين. وكان معروفا في النقابة بتحديه للصحفيين المستقلين ودعمه للمتعاطفين مع الحكومة في انتخابات النقابة.

أصدقاء هلال وجيرانه وصفوه بأنه أعزب هادئ يحب السخرية من نفسه، وكان محافظا على خصوصياته ويمضي ساعات طويله في شقته يقرأ ويكتب. ومثل العديد من الصحفيين، له شبكة معارف مهنية واسعة، ومن ضمن معارفه السفير الأمريكي السابق بالقاهرة ديفيد ويلش، والروائي نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل في الآداب، الذي كان يقيم صالون أسبوعي في حي جاردن سيتي في القاهرة، وكان هلال يتردد على الصالون.

كان هلال معروفا في صفحات "الأهرام" ككاتب ليبرالي ناقد للفكر القومي العربي والتطرف الإسلامي. وعلى العكس من العديد من كتاب الأعمدة الصحفية المصريين، دعم اجتياح العراق بقيادة الولايات المتحدة، وكان داعما قويا للعلاقات الإسرائيلية المصرية. ونتيجة لذلك، لم تكسب كتابات هلال سوى إعجاب ضئيل ضمن الأوساط الصحفية في البلاد، والتي تسودها النزعة القومية. وقال ريموند ستوك، وهو كاتب السيرة الذاتية لنجيب محفوظ، وأحد أصدقاء هلال، "لقد كان رضا من الناحية الفعلية الكاتب ’الليبرالي‘ الوحيد من هذا المقام في مصر—محرر في منصب عال وكاتب بارز في الصحيفة الحكومية الرئيسية في البلاد. لقد كان يهاجم الإسلاميين بصفة متواصلة، إلا أنه وقف أيضا ضد النزعة الفكرية المعادية للغرب السائدة في أوساط المعارضة العلمانية هنا".

بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) على الولايات المتحدة، وجه هلال اللوم إلى الذين يسوغون الإرهاب، ودعاهم "بن لكن"، وذلك لقيامهم بشجب أسامة بن لادن شجبا خفيفا مع إيراد توضيحات لمبرراته. انتقد هلال أيضا الخطاب القومي والإسلامي، والذي زعم إنه السبب في نقص الديمقراطية في العالم العربي وعيوبا أخرى، كما لام المفكرين العرب الذين يتعاطفون مع منكري الهولوكوست. وكان قد صرح لصحيفة "الأهرام ويكلي" الناطقة بالإنجليزية في عام 2000، "ليس من مصلحتنا إنكار الهولوكوست، لأننا لسنا مسؤولين عنها. وينبغي ألا نتعاطف مع الذين يجب أن يلاموا على ارتكابها".

وفي آخر مقال صحفي كتبه لصحفية "الأهرام"—نشر في اليوم الذي سبق اختفائه، تحت عنوان "أزمة الديمقراطية في العالم العربي"—انتقد هلال الانتخابات التي كانت قد جرت قبل فترة وجيزة في نقابة الصحفيين المصريين، إذ استخدم تلك الانتخابات لتوجيه انتقاد أوسع للديمقراطية في العالم العربي، وكتب إنه حتى الانتخابات الحرة والنزيهة يمكن أن تحمل الى الى السلطة "أشخاصا غير ديمقراطيين، سواء كانوا إسلاميين، أو قوميين فاشيين".

ومع ذلك، فإن مقالات هلال لا تقدم سوى أدلة ضئيلة على الجهة التي ربما استهدفته. ويقول سيد شقيق رضا هلال، معبرا عن رأي منتشر بين العديد من الصحفيين، "لا أعتقد أن مواقفه السياسية لعبت دورا في ما حدث. ففي حين أن مواقفه قد تكون جلبت له بعض العداء، إلا أنه لم يذكر يوما أنه تلقى تهديدات، كما أنه لا يوجد له أعداء محددون".

وعلق كارم يحيى، الصحفي ب"الأهرام"، قائلا: "الشيء الغريب أنه كان يتمتع بعلاقات طيبة مع أشخاص متنفذين في السلطة في مصر. ولم يكن معارضا لمبارك ولم يكن من شخصيات المعارضة. وكانت آراؤه السياسية [مثل دعوته لتطبيع العلاقات مع إسرائيل ودعم سياسات أمريكية محددة]، تناقش ضمن الأوساط الرسمية، حتى وإن كانت تتعرض لانتقادات على نطاق واسع".

يتفق العديد من الصحفيين على أن اختفاء هلال قد نفذ بمهارة. وقال كارم يحيى ان "الشعور السائد هو أنه مهما تكن الجهة المنفذة، فقد كان تنفيذ محترفين"، ولم يستبعد أن يكون عملاء جهاز استخبارات أجنبي وراء الاختفاء. وقال آخرون ان التنفيذ تم من داخل البلاد.


وفقا للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، اختفى في مصر 53 شخصا ما بين العامين 1992 و 2006، العديد منهم من المشتبه بأنهم نشطاء إسلاميون. ويجلب لغز اختفاء هلال إلى الذهن قضية اختفاء أخرى جرت قبل ما يزيد عن عقد من الزمان واجتذبت اهتماما واسعا. ففي 10 كانون الأول/ديسمبر 1993، اختفى المعارض الليبي منصور الكيخيا من الفندق الذي كان ينزل فيه في القاهرة لحضور مؤتمر حول حقوق الإنسان. وفي ذلك الوقت، ساد اعتقاد أنه اختطف على يد عملاء ليبيين، ولكن وكما هو الحال في قضية هلال، لم يكن هناك سوى أدلة ضعيفة يعتمد عليها.

ظهر لاحقا أن منصور الكيخيا شوهد يغادر الفندق بصحبة رجلين زعما إنهما عميلين أمنيين مصريين، واستقل معهما سيارة تحمل لوحات خاصة بالأمن المصري. وقال مسؤولون أمريكيون حققوا في اختفاء الكيخيا لصحيفة "واشنطن بوست" في سبتمبر (أيلول) 1997، إن عملاء مصريين نفذوا عملية اختطاف الكيخيا ونقلوه إلى ليبيا، حيث أعدم هناك سرا في عام 1994، وقد أجرت السلطات الأمريكية التحقيق لأن زوجة الكيخيا هي مواطنة أمريكية. وقد أنكر الرئيس مبارك بغضب أي تورط لمصر بعملية الاختطاف. ويظل تحقيق الحكومة المصرية في هذا الشأن طي الكتمان.

أشار عديدون إلى أنه بصرف النظر عن أي دور ممكن للأمن المصري في اختفاء هلال، فإنه من الصعب عليهم تصديق أن السلطات ليس لديها أي معلومات حول مصير المحرر الصحفي المختفي. إن أجهزة الأمن المصرية متعددة الطبقات هي ضمن أكثر الأجهزة تعقيدا وانتشارا في المنطقة، وتتعامل مع آلاف العملاء والمخبرين. كما أن المنطقة التي قيل إن هلال اختفى فيها تعتبر إحدى أكثر المناطق أمنا في المدينة.

وقال جمال فهمي، : "لقد قدمنا عددا من الطلبات للأجهزة القضائية لإعلامنا بنتائج التحقيقات، ولكن لغاية الآن لم تردنا أية إجابة. نحن لا يمكننا تصديق أن الأجهزة الأمنية المتشعبة والحاضرة في كل مكان ليس لديها أي تفسير وأنها لا تستطيع تزويدنا بإجابة".

وقال حافظ أبو سعدة، الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، "لم يجر أي تحقيق جدي على الإطلاق. ولم يصدر أي تصريح علني حول بذل جهود جدية لمعرفة كيفية اختفائه ومكان احتجازه وسبب اختطافه. ولم نحصل سوى على تخمينات وتلميحات تصدر عن مصادر أمنية".

ومما يثير القلق بقدر صمت الحكومة المصرية، هو صمت الصحافة المصرية المشاكسة بطبيعتها. تابعت صحيفة "الأهرام" وصحف أخرى عن قرب قضية اختفاء هلال لعدة أسابيع في أواخر صيف عام 2003. وبحلول شهر يناير (كانون الثاني) التالي، كانت التغطية الصحفية معدومة تقريبا، كما غاب التعبير عن التضامن من قبل الصحفيين.

وقال كارم يحيى الصحفي ب"الأهرام" وأحد مؤسسي مجموعة صغيرة ضمن نقابة الصحفيين المصريين تدعى صحفيون من أجل التغيير، "كانت التجاوب مع قضية رضا ضعيفاً ومخجلاً".

عزا صحفيون عدم اهتمام الصحافة بقضية هلال إلى مواقفه السياسية، والتيارات السياسية القومية والإسلامية التي تسود نقابة الصحفيين المصريين، وهي تيارات لا تتعاطف مع آراء هلال. ولكن يؤكد بعض الصحفيين على أن الخوف لعب دورا في ذلك، وإن الصحفيين، وخصوصا في صحيفة "الأهرام"، هم ببساطة متخوفون من متابعة قضية تبدو عليها سمات حالة اختفاء قسري قد تكون قادتها السلطات الأمنية.

وقال يحيى، "ربما لم يكن يتمتع بشعبية كبيرة بسبب مواقفه السياسية، ولكنني أظن أن هذا أمر ثانوي. أعتقد أن الناس هنا خائفون، خصوصا بسبب الظروف الغامضة للقضية".

وأخيرا، في سبتمبر (أيلول) 2006، قامت لجنة حرية الصحافة التابعة لنقابة الصحفيين المصريين بتنظيم نشاط لإلقاء الضوء على قضية هلال، وطالبت السلطات بالكشف عن معلومات حول التحقيقات التي أجرتها. وخلال ذلك النشاط، الذي حضرته لجنة حماية الصحفيين، قدم عدة صحفيين اعتذارهم لشقيق هلال بسبب صمتهم الغريب والطويل عن القضية. وكان من اللافت للنظر غياب أية مشاركة في النشاط لصحيفة "الأهرام".

وأشار وائل الأبراشي، الى "تقصير صحفي واضح، وتقصير أكثر وضوحا من زملاء هلال في صحيفة الأهرام".

في 11 أغسطس (آب) 2007، تواصل الصمت إذ مرت الذكرى السنوية الرابعة على اختفاء هلال دون أية إشارة تقريبا للمناسبة من قبل الصحف. قبل موته، كتب نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للاداب سردا قصيرا يشبه الحلم عن اختفاء رجل. ويعتقد ريموند ستوك، كاتب السيرة الذاتية لنجيب محفوظ أن الرجل المختفي المشار اليه في أحد "أحلام فترة النقاهة" هو رضا هلال. اذ روى الأديب الكبير الراحل في "الحلم 151" ضمن "أحلام فترة النقاهة" اللتي نقلها الى الانجليزية ستوك ما يلي: "كنا نجلس حوله للسمر الممتع والمفيد تحت الشجرة، ويوما استأذن منا دقيقتين لتناول الدواء وصعد الى شقته ولكنه غاب، فأرسلنا أحدنا ليطمئن عليه فوجد الشقة مغلقة بالقفل من الخارج، ومن ثم بدأت رحلة البحث غير المجدية عنه في جميع نطاقه، وأخذ يساورنا القلق، يتساوى في ذلك المحبون والكارهون والمستفسرون، أما امام المسجد فقد دعا الى أداء صلاة الغائب على روح الغائب."


جويل كمبانا هو منسق برامج متقدم في لجنة حماية الصحفيين مسؤول عن قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. كمال العبيدي، الممثل الإقليمي للجنة حماية الصحفيين في الشرق الأوسط، ساهم في إعداد هذا التقرير.