السعودية ‘الجديدة’ تمهد السبيل لمناخ أكثر قمعاً للصحفيين

بقلم جاستن شيلاد – 25 سبتمبر/ أيلول 2018

السعودية ‘الجديدة’ تمهد السبيل لمناخ أكثر قمعاً للصحفيين

بقلم جاستن شيلاد – 25 سبتمبر/ أيلول 2018

كان مروان المريسي يعرف القوانين: فحتى في السعودية “الجديدة” التي ينادي بها ولي العهد محمد بن سلمان، يظل الخوض في قضايا تمس السياسة أو الدين أو الأسرة المالكة شيئاً محظوراً. لذا فقد كان المريسي يكتب في تقاريره إلى موقع ‘سبق’ الخاص وقنوات أخرى عن العلم والتكنولوجيا وضرورة الإيمان بالإبداع والابتكار–وهي كلها سمات أُسبغت على الأجندة الإصلاحية لولي العهد التي تحظى بقدر كبير من التمجيد والثناء.

لكن ذلك لم يكن كافياً. ففي 1 يونيو/ حزيران اعتقلت السلطات المريسي من داخل المستشفى الطبي التخصصي بالرياض أثناء جلوسه على حافة السرير الذي يرقد عليه ولده ابن الخمس سنوات، حسب ما ذكره خطاب الروحاني وهو صحفي يمني من واشنطن العاصمة مطلع على قضية المريسي.

وقال الروحاني إن مجموعة من عناصر الأمن السعودي دخلت المستشفى وأخذت المريسي تاركة طفلهُ وحيداً هناك” وأضاف بأنه “منذ ذلك الحين لم يسمع أحد كلمة عنه، كما لم يُسمح لأسرته برؤيته أو معرفة مكانه أو حتى التهم الموجهة إليه”.

لم يكتسي أي من مقالات المريسي الأخيرة طابعاً سياسياً أكثر مما ينبغي، غير أن المريسي ، حسب وصف الروحاني له، “صحفي مؤثر يرفض أن يكون جزءاً من الحملات السعودية أو أن يتلقى أوامر من السلطات بشأن ما الذي عليه أن يكتبه”.

وقال الروحاني إن المريسي “قرر عدم الزج بنفسه في السياسة، لكن ذلك على ما يبدو لم يعد خياراً متاحاً بعد الآن في السعودية الجديدة”.

شن محمد بن سلمان منذ أن أصبح ولياً للعهد في يوليو/ تموز 2017 حملة إجراءات صارمة طالت طيفاً واسعاً من معارضيه تحت شعار مكافحة الفساد والتطرف. وفي الوقت الذي يعلن فيه عن وجوب تحديث المملكة السعودية وانفتاحها، بات البرنامج الإصلاحي لبن سلمان وسيلة فعالة لإسكات الأصوات المستقلة.

تحتل السعودية أصلاً موقعاً من بين أكثر البلدان ممارسة للرقابة المشددة على الصحافة، لكن السلطات السعودية استخدمت في عهد بن سلمان آليات رسمية، تركز في الظاهر على الإرهاب، من أجل إسكات الصحفيين ومن ضمنهم المريسي. وفي شباط/ فبراير، وثَقت لجنة حماية الصحفيين الطريقة التي حكمت بها المحكمة الجزائية المختصة على الكاتب الصحفي المعروف صالح الصالح بالسجن خمس سنوات بتهمة “الإساءة للديوان الملكي” عقب تعليق للصالح عبر شاشة التلفزيون وفي كتابته تناول فيه مزاعم بوجود فساد.

تشكل المحكمة الجزائية المختصة جزءاً من نظام تم تأسيسه سنة 2008 للنظر في القضايا ذات الصلة بالإرهاب، لكن استنتجت لجنة حماية الصحفيين أن هذا النظام يُستخدم على نحو مُطّرِد لمحاكمة الصحفيين ومن يعتبرهم النظام معارضين له.

وتحقق لجنة حماية الصحفيين في احتمالية حبس ما لا يقل عن 10 صحفيين آخرين منذ تولي بن سلمان السلطة، بيد أن أنباء الاعتقالات لا تطفو على السطح في بعض الأحيان إلا بعد شهور من وقوعها. وغالباً ما يكون تاريخ اعتقال السلطات لشخص ما أو مكان احتجازها له غير معلوم لدى النشطاء الذين يتواصلون مع لجنة حماية الصحفيين. ثم أن صفحات الملف التعريفي بهؤلاء الصحفيين ومدوناتهم تختفي وراء الرسالة “404 not found” تاركة خلفها شريطاً من منشورات التواصل الاجتماعي ينقطع عند تاريخ اليوم الذي يُشاع أن الصحفي اعتُقل فيه.

ولم تجب السفارة السعودية في واشنطن العاصمة على رسائل البريد الإلكتروني التي بعثتها لجنة حماية الصحفيين للحصول على تعليق السفارة بهذا الشأن. ولم تتمكن اللجنة من العثور على معلومات الاتصال برئاسة أمن الدولة.

وحتى الصحفيين الذي يناصرون السياسات التي يدعمها بن سلمان ليسوا في مأمن من الاعتقالات. فقد اعتقلت رئاسة جهاز أمن الدولة في أوساط شهر مايو/ أيار الناشطة أيمان آل نفجان، التي كانت مدونتها المعروفة باسم Saudiwoman تغطي قضايا يغيب ذكرها عن منافذ إعلامية سعودية أخرى، كما اعتقلت السلطات عدة ناشطات أخريات ممن شاركن في الحملة ضد منع النساء من قيادة السيارات. وفي الشهر الذي يليه، أمرت السلطات برفع الحظر عن قيادة المرأة للسيارة فيما ظلت الاعتقالات مستمرة.

كذلك تم اعتقال نوف عبد العزيز، التي كتبت عن حقوق المرأة وانتقدت من ضمن كتاباتها منع المرأة من قيادة السيارة. وفي مدونتها -وهي غير متوفرة للاتصال المباشر مع الإنترنت منذ اعتقال الناشطة، ولكنها متاحة عبر محرك وايباك- كتبت نوف عن السعوديين المعتقلين في العراق ومحاكمة النشطاء الإصلاحيين وعن توقيف كاتب سعودي بسبب ما كتبه بشأن وجود توتر فيما بين أعضاء الأسرة المالكة. وكانت هذه الصحفية، وربما من منطلق شعورها بأن شبح السجن قد بدأ يخيّم فوقها، قد كتبت مقالة ليتم نشرها في حال تعرضها للاعتقال. ففي منشور ظهر على مدونتها بتاريخ 6 يونيو/ حزيران، وهو اليوم الذي جرى توقيفها فيه، قالت نوف “ربما يرون أن الخلاص مني هو السبيل لوطن أفضل مع أني موقنة أن الكثير لا يعرفوني ولم يسمعوا باسمي من قبل، ورغم هذا يملكون الجرأة ليحكموا علي ظلماً وعدواناً”.

وتقبع نوف عبد العزيز منذ اعتقالها في الحبس الانفرادي في مكان مجهول، بحسب الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان ومركز الخليج لحقوق الإنسان. كذلك اعتقلت السلطات مايا الزهراني بعد أن نشرت مقالة المدونة نوف عبد العزيز على موقعها الخاص وفي مواقع التواصل الاجتماعي، حسب الصحفية هنا الخامري، التي تعرف كلتا المدونتين فضلاً عن قيامها هي الأخرى بإعادة نشر مقالة نوف عبد العزيز بالعربية والإنجليزية.

وفي 23 سبتمبر/ أيلول أبلغت الخامري لجنة حماية الصحفيين أن كلتا المدونتين لا زالتا رهن الاعتقال.

وذكر علي الأحمد، وهو سعودي يعيش في المنفى ومحلل لشؤون الخليج وله آراؤه الناقدة لسياسات المملكة، بأن السلطات السعودية لا تسمح بقيام أية كينونة سياسية مستقلة في المملكة سواء أكانت صحفية أم غير صحفية.

وقال الأحمد إن “شعار العمل السعودي، وليس شعار ولي العهد بن سلمان فقط، هو ‘عدم السماح بوجود أية مبادرة خاصة في مجال السياسية’. لا يمكنك أن تأتي وتزعم أن لك دوراً ما تريد أن تؤديه. نحن الوحيدون القادرون على القول أو الفعل أو التصرف فيما يتعلق بالسياسة. وكل من يتجاوز هذا الخط سيتم اعتقاله”.

وأضاف الأحمد الذي يعيش الآن في الولايات المتحدة بأن “هذه هي أشد البيئات قمعية من حيث عدد الأشخاص القابعين في السجن. ظل الحال لسنوات كثيرة أن يكون نزلاء السجون من الشيعة بشكل أساسي، وخاصة في منطقة القطيف. ولكن الآن، إذا ما نظرت إلى أي قطاع من المجتمع، ستجد أن الأمر سواء. لقد ازداد عدد المودعين في السجون بصورة تصاعدية وخاصة من فئات الإسلاميين والليبراليين والمهنيين”.

وتنعكس هذه النزعة في التحقيقات التي تجريها لجنة حماية الصحفيين بخصوص اعتقالات الصحفيين، فيما يتسع نطاق الموضوعات التي يُعتل الصحفيون بسببها ليشمل: حقوق المرأة والفساد والبرامج الإعلامية الدينية.

يحتفي بعض الصحفيين الدوليين بإصلاحات بن سلمان باعتبارها مؤشرات على أنه يسير بالمملكة نحو عهد أكثر عصرية. ولكن لغاية الآن تلخص الأثر الذي أحدثه بن سلمان في أنه استلم دولة هي في الأصل ذات نظام ملكي فردي قمعي وجعل منها دولة شمولية. فالصوت الوحيد المسموع في السعودية الجديدة هو صوت بن سلمان.


جاستن شيلاد هو زميل بحث في لجنة حماية الصحفيين متخصص بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

Exit mobile version