صحافة موالية

الاستقلال يعني العزلة بالنسبة للصحفيين في مصر السيسي
بقلم أورسولا ليندسي

عندما تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي منصبه رئيساً للجمهورية في عام 2014، بعد تزعمه عملية عزل الرئيس الإسلامي محمد مرسي على يد الجيش، تعهد باستعادة السلم والرخاء من خلال القيادة القوية.

جدول المحتويات

Attacks on the Press book cover

غير أن مفهوم السيسي للقوة تُرجم عبر السنوات التي تلت ذلك إلى إسكات صوت كل من لا يتفق معه، والتعامل مع النقد أو توثيق الانتهاكات باعتباره خطراً على الأمن القومي. وقد طورت حكومته استراتيجيات جديدة غير مسبوقة لتكبيل حرية التعبير اشتملت على استغلال الاستقطاب في الوسط الإعلامي وتعميقه -مما حوّل الصحفيين إلى خصوم يعادي بعضهم بعضاً- وإضعاف ثقة الناس في الإعلام، مع اللجوء في الوقت ذاته إلى أساليب الرقابة المعروفة من قبيل إيقاف الإعلان في المؤسسات الإعلامية لإجبارها على ممارسة الرقابة الذاتية.

شهدت فترة حكم السيسي تراجعاً اقتصادياً وتمرداً متنامياً في شبه جزيرة سيناء وسلسلة من القرارات العصبية والسياسات غير الخاضعة للمساءلة، وتعاملت السلطات مع التساؤلات والشكاوى التي أعرب عنها المواطنون المصريون والإعلام، بفرض مزيد من الإجراءات القمعية. وفي الوقت الذي يقبع فيه عشرات الآلاف من المصريين وراء القضبان كسجناء سياسيين، قامت أجهزة أمن السيسي باختطاف مواطنين وتعذيبهم واحتجازهم في مواقع سرية، وعمدت في بعض الأحيان إلى إجبارهم على الاعتراف بجرائم ملفقة.

يقف الصحفيون في الخط الأمامي لمعركة الدفاع عن الحريات الآخذة في التلاشي والدفاع عن سيادة القانون، بينما تلجأ السلطات المصرية إلى كل وسيلة متاحة لها لإخراس الصحفيين الذين لا يعيدون إنتاج الدعاية الرسمية، وتعمل على ترهيبهم وإنزال العقاب بهم. ويجري التعامل مع الصحفيين الذين يبلغون عن انتهاكات حقوق الإنسان أو الذين يغطون أخبار الاحتجاجات أو ينقلون أخبار النقد للسياسات الحكومية على أنهم أعداء وعُصاة، ويتم استهدافهم بالعقاب.

جانب من الاحتجاج على حبس المصور الصحفي محمود أبو زيد، المعروف باسم شوكان، أمام نقابة الصحفيين بالقاهرة في 12 يوليو/ تموز 2014. عمدت الحكومة المصرية في السنوات الأخيرة إلى إسكات صوت كل من ينتقدها. (أسيوشيتد برس/ عمرو نبيل).

ويتخذ هذا العقاب أشكالاً عديدة، بدءاً باستخدام وسائل الإعلام المقربة من الدولة في تشويه سمعة الصحفيين “العُصاة” ومهاجمتهم، وانتهاءً بقطع إيرادات الإعلانات عن وسائل الإعلام التي انتقدت الحكومة أو تحدثت في تغطيتها، بكل بساطة، عن إخفاقاتها. كما اتُّبعت أساليب أخرى في تصعيد غير مسبوق لاستخدام وسائل قمعية قديمة من قبيل سجن الصحفيين أو الحكم عليهم بالإعدام أو إبعادهم أو مضايقتهم. وفي معرِض تصميمها على منع أشكال التعبئة الجماهيرية كتلك التي وقعت أثناء الربيع العربي، لا تسمح حكومة السيسي بأي اختلاف في الرأي معها، فضلاً عن الشك العميق الذي يساورها تجاه القنوات الإعلامية الإقليمية التي ترى أن لها تأثيراً مزعزعاً للاستقرار.

وقالت شهيرة أمين، وهي صحفية استقالت من التلفزيون الرسمي أثناء الثورة على الرئيس السابق حسني مبارك، “لا تزال المؤسسات الإعلامية الرئيسية مخلصة تماماً للرئيس وتروّج بشدة الدعاية الحكومية”. وتقول أمين إنه لم يعد مسموحاً لها العمل في التلفزيون في مصر بسبب تقاريرها التي تنتقد الحكومة.

في عام 2016، قالت أمين “لقد بدأت تظهر أصوات ناقدة، مما يعبّر عن تنامي خيبة الأمل” في نظام السيسي، والذي تؤكد أمين بأنه “لم يحقق الأمن والاستقرار اللذين وعد بهما”. إن مثل هذا النقد ليس مقبولاً عند رئيس يحذر الشعب المصري بالقول “اسمعوا كلامي أنا وبس”. وكانت النتيجة: استمرار تزايد حالة عدم الاستقرار وتنامي المعارضة وفي الوقت نفسه ازدياد القمع. وقالت أمين “لقد زاد النقد، لكنهم أيضاً يحاولون سحقه بقسوة أكبر”.

ولكن على الرغم من الرقابة والقمع، واصل الإعلام النشط المستقل في هذا البلد كفاحه، وانتقل في كثير من الحالات إلى منصات في شبكة الإنترنت التي تصعب الرقابة عليها، رغم أنها غير محصّنة من العقاب. وكشف الإحصاء الذي أصدرته لجنة حماية الصحفيين في 1 ديسمبر/ كانون الأول 2016 بشأن الصحفيين السجناء أن السلطات المصرية تحتجز ما لا يقل عن 25 صحفياً بسبب عملهم – وهو أعلى رقم تسجله مصر منذ بدأت لجنة حماية الصحفيين بتسجيل البيانات المتعلقة بسجن الصحفيين في عام 1990. ويُعتبر التهديد بالسجن عنصراً من مناخ الترهيب الذي تُشيعه السلطات بلا هوادة، وتُصدر من خلاله أوامر بمنع النشر في مواضيع حساسة أو تناولها، والضغط على وسائل الإعلام الناقدة كي تمارس رقابة على التقارير التي تنتقد الأوضاع السائدة. وقد حُظرت قنوات إعلامية كاملة -كقناة الجزيرة ووكالة الأناضول للأنباء، وهي وكالة تركية- من العمل في مصر وأُجبرت على إغلاق مكاتبها، حسب استقصاءات لجنة حماية الصحفيين.

وفي ربيع عام 2016، صدر حُكم غيابي بالإعدام بحق ثلاثة صحفيين، فيما تم إبعاد آخرين دون أي مسوغ قانوني، أو تم وضعهم في الاعتقال الاحترازي لمدة تزيد عن الحد القانوني الأعلى البالغ سنتين، أو اتهامهم بارتكاب جرائم من قبيل الإرهاب أو التخريب أو القتل أو نشر أخبار كاذبة. واستهدفت حكومة السيسي أيضاً نقابة الصحفيين المصريين، حيث اقتحمت عناصر الحكومة مبنى النقابة لاعتقال صحفيين، ووجهت اتهامات لقيادات النقابة بعد أن عبروا علناً عن تضامنهم مع زملائهم المعتقلين.

****

وحسب استقصاءات لجنة حماية الصحفيين، أصبحت مصر إحدى البلدان التي تسجن أكبر عدد من الصحفيين في العالم، واحتلت في عام 2016 مرتبة في هذا المجال لم يسبقها فيها سوى تركيا والصين. إذ يجري اعتقال الصحفيين بصورة متكررة على يد قوات الأمن في مداهمات ليلية لمنازلهم، وقد واجه بعض الصحفيين اتهامات ملفقة بشكل واضح لا لبس فيه، أو عُذبوا أثناء وجودهم قيد الاعتقال، أو تعرضت عائلاتهم للمضايقات. وقد استُهدف هؤلاء الصحفيون لمجرد تغطيتهم لأخبار الاحتجاجات وانتهاكات حقوق الإنسان، كالفض الدموي لاعتصام رابعة العدوية بالقاهرة في أغسطس/ آب 2013 -حيث وقعت مذبحة قتلت فيها قوات الأمن ما لا يقل عن 600 شخص من مؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي، طبقاً للتقارير المنشورة والأرقام التي حفظتها وزارة الصحة المصرية.

وفي أبريل/ نيسان من عام 2015، وثّقت لجنة حماية الصحفيين ثلاث حالات لصحفيين حُكم عليهم بالسجن المؤبد. وقد اتُهم الصحفيون الثلاثة وآخرون غيرهم “بفبركة صور ومشاهد تتضمن حالات وفاة وإصابات في صفوف المتظاهرين، وإعداد بيانات بلغات أجنبية ونشر ذلك كله خارج مصر للإيحاء بأن قوات الأمن استخدمت القوة المفرطة وانتهكت حقوق الإنسان”، بحسب منظمة ‘الكرامة’ وهي منظمة غير حكومية معنية بحقوق الإنسان.

ومن بين الصحفيين الذين سُجنوا بسبب توثيقهم لما حدث في ميدان رابعة، المصور الإخباري محمود أبو زيد، المعروف باسم شوكان، حيث اعتُقل في 14 أغسطس/ آب 2013 أثناء تصويره العملية الأمنية في الميدان لصالح وكالة ‘ديموتيكس’. وخاطب شوكان المحكمة لأول مرة في مايو/ أيار 2016 متوجها إلى القاضي بالقول: “أنا في السجن بسبب قيامي بعملي”.

وكان شوكان البالغ من العمر 27 عاماً والذي بدت عليه علامات الهزال، قد أمضى عندئذٍ أكثر من 1000 يوم في الاعتقال، في انتهاك للمادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية، والتي تنص على الإفراج الفوري عن أي محتجز يتم اعتقاله قبل تقديمه للمحاكمة لأكثر من سنتين دون إصدار حكم بشأنه. وقال المحامي طاهر أبو نصر في يوليو/ تموز 2016 “إننا نطلب هذا الإفراج في كل جلسة، لكن المحكمة لا ترد”.

وقال شقيق شوكان، محمد أبو زيد، في مقابلة هاتفية في يوليو/ تموز 2016 “لا يوجد أي دليل ضده. وما كان ينبغي سجنة حتى ليوم واحد”.

بدأت محاكمة شوكان إلى جانب 738 متهماً آخرين، من ضمنهم المرشد العام للإخوان المسلمين، في ديسمبر/ كانون الأول 2015، حيث وُجهت إليه اتهامات التظاهر غير المشروع واستخدام القوة وحيازة أسلحة غير مشروعة والتخريب “بقصدٍ إرهابي” والانتماء إلى مجموعة محظورة (الإخوان) ومهاجمة قوات الشرطة، والقتل – وهي اتهامات كفيلة بإنزال عقوبة الإعدام، حسب محاميه وتقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية.

ووجه شوكان رسالة من السجن في مارس/ آذار عام 2015 ونُشرت على موقع منظمة العفو الدولية، وقال فيها إنه تعرض للضرب أثناء اعتقاله وحُرم من تلقي العلاج الطبي لمداواة إصاباته. وكتب شوكان في رسالته “إنني أتقاسم زنزانة أبعادها ثلاثة أمتار في أربعة أمتار مع 12 سجيناً سياسياً آخر. وتُمنع عنا الشمس والهواء النقي لمدة أيام أو أسابيع دفعة واحدة. ويجري تجديد حبسي منذ اعتقالي حتى وصل إلى 600 يوم، ولم توّجه إلي أية تهمة بارتكاب جريمة. وقد سُجنت دون إجراء أي تحقيق في التهم الملفقة التي أواجهها. أنا مصور صحفي ولست مجرماً. إن اعتقالي لمدة مفتوحة لا يمكن تحمله من الناحية النفسية. حتى الحيوانات لا يمكنها البقاء على قيد الحياة في هذه الظروف”.

وفي رسالة بعثها في ديسمبر/ كانون الأول 2015، قال شوكان “طبعاً بعد أكثر من 850 يوماً في الثقب الأسود دون عدل أو إنصاف، صرت تائهاً في عالم النسيان. فقط لأني كنت أقوم بعملي كمصور. أنا في السجن دون حتى أن أعرف لماذا أنا هنا. يؤسفني أن أقول لكم إني أصبحت شخصاً يائساً تماماً”.

ذلك اليأس تشاطره إياه أسرته، حيث قال شقيقه عنه “إنه في حالة بدينة ونفسية سيئة”. ويخشى شقيق شوكان أن تعمد السلطات، بعد احتفاظها بشوكان في السجن لمدة تزيد عن سنتين قبل توجيه اتهامات إليه، إلى إطالة مدة محاكمته لسنوات عديدة أخرى. وقال محمد أبو زيد “لا يمكن للمحامي فعل أي شيء، والمجتمع المدني لا يمكنه فعل شيء، لا أحد قادر على فعل شيء- سوف يموت وحسب”.

وفي الوقت الذي كان فيه شوكان يتحدث مدافعاً عن نفسه في المحكمة لأول مرة، صدر حكم بإعدام ثلاثة صحفيين في قضية منفصلة. وقد كان هؤلاء، وهم إبراهيم هلال، مدير سابق لدائرة الأخبار في قناة ‘الجزيرة’ العربية، وعلاء سبلان، صحفي في ‘الجزيرة’، وأسماء الخطيب، وهي محررة أخبار في ‘شبكة رصد الإخبارية’، قد اتهموا بمعية الرئيس السابق محمد مرسي وسبعة آخرين، بمحاولة إطلاع قطر على أسرار الدولة. وفي مايو/ أيار 2016، حُكم غيابياً على الصحفيين الثلاثة بالإعدام.

وكانت قناة ‘الجزيرة’ الناطقة بالعربية قد أيدت الثورة على الرئيس السابق حسني مبارك. وفي السنوات التي تلت ذلك وفرت ‘الجزيرة’ منبراً للإخوان المسلمين وتغطية متعاطفة معهم. وكان يُنظر إلى قطر، الإمارة الثرية التي تحتضن مقر قناة ‘الجزيرة’، على نطاق واسع بأنها تدعم هذه الجماعة الإسلامية.

وبعد ساعات من اعتقال الجيش لمرسي، اقتحم جنود مكاتب ‘الجزيرة’ في القاهرة مجبرين القناة على التوقف عن البث. وفي أعقاب الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين عن السلطة، صُنفت بأنها منظمة إرهابية فيما اتُهمت قطر و’الجزيرة’ بالتآمر مع الجماعة من أجل زعزعة استقرار مصر والسيطرة عليها. وفي قضية سيئة الصيت، تمت إدانة 10 صحفيين من ‘الجزيرة’ بتهمة مساعدة منظمة إرهابية. وقد حوكم سبعة منهم غيابياً، أما أولئك الذين احتجزوا في مصر فقد تم إبعاد أحدهم فيما مُنح الاثنان الباقيان عفواً رئاسياً بعد حملة تضامن دولية وسنوات من الضغط من أجلهم.

وظلت العلاقات بين مصر وقطر متوترة للغاية. ففي فبراير/ شباط 2015، بعد أن شككت قطر في العملية العسكرية المصرية في ليبيا، اتهم مسؤولون مصريون قطر “بدعم الإرهاب” فيما صدرت العناوين الرئيسية لجريدة ‘الأهرام’ المملوكة للدولة تصف قطر (إضافة إلى تركيا والولايات المتحدة) بأنها جزء من “ثالوث قوى الشر الذي ينشر الفوضى والدمار”.

ويرى إبراهيم هلال، مدير الأخبار بقناة ‘الجزيرة’ الذي حوكم غيابياً، أن البعض في الإعلام والحكومة المصريين يجد أن إلقاء اللوم على قطر و’الجزيرة’ فيما يتعلق بالمؤامرات المفترضة أسهل عليه من مواجهة مشكلات البلد الكثيرة.

وقال هلال “إنهم يعيشون في هذا الوهم بأن الأعداء يحاربون البلد، بدلاً من مواجهة حقيقة أن البلد سيفشل بسبب انعدام الديمقراطية وحقوق الإنسان”. وأضاف هلال الذي يعيش في منفاه بالدوحة “ولو كان بلدي ديمقراطياً لكنت سأحاول العودة إليه والدفاع عن نفسي”، لكنه استدرك قائلاً “أنتم تعلمون كيف يموت الكثير من الأشخاص أثناء احتجازهم في مصر حالياً”.

****

كانت نقابة الصحفيين من المؤسسات القليلة التي استمرت في الدفاع عن الصحفيين السجناء أو المُستهدفين بالقمع، حتى أصبحت النقابة هدفاً بحد ذاتها لأنها قدمت المأوى والتضامن للصحفيين. وأضحى عداء الحكومة للنقابة واضحاً بعد الواقعة المتعلقة بجزيرتي البحر الأحمر اللتين تنازلت مصر عنهما للسعودية في ربيع عام 2016.

لقد نشأت موجة من السخط الوطني في مصر من جراء الإعلان غير المتوقع بالتخلي عن ملكية الجزيرتين، وبلغ الشعور المتنامي بخيبة الأمل في نظام السيسي ذروته عندما خرج في 15 أبريل/ نيسان 2016 أول احتجاج شعبي كبير منذ اعتلاء السيسي سدة الحكم. كما وجّه كتاب الأعمدة ومذيعو البرامج التلفزيونية نقداً غير مسبوق للرئيس وحكومته.

وردت السلطات بسرعة، إذ اعتقلت مئات المتظاهرين الذين حُكم فيما بعد على كثير منهم بالسجن لمدة تتراوح ما بين ثلاث إلى خمس سنوات. كما عاقبت الحكومة الصحفيين الذين نقلوا أخبار الاحتجاجات وأصدرت قراراً بمنع النشر في مسألة انتقال ملكية الجزيرتين والاحتجاجات التي أحاطت بها. وتزايد لجوء الحكومة إلى أعمال التعتيم الإعلامي على تغطية موضوعات معينة كمقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني والعمليات العسكرية في سيناء.

وجهت السلطات المصرية للمحرر عمرو بدر والصحفي محمود السقا، اللذين يعملان في موقع ‘يناير’ الإخباري، اتهامات بنشر أخبار كاذبة والتحريض والتآمر لإسقاط الحكومة، وذلك بسبب تغطيتهما لأخبار التخلي عن الجزيرتين والاحتجاجات. وبعد أن داهمت الشرطة منزلي الصحفيين، توجها إلى مكاتب نقابة الصحفيين وسط القاهرة بقصد المرابطة هناك وإشهار قضيتهما.

كانت النقابة ومنذ فترة طويلة بمثابة “منطقة آمنة” بالنسبة للصحفيين وحرية التعبير، حيث استضافت مؤتمرات صحفية حول موضوعات حساسة وتجمعات، كان من بينها احتجاجات أُقيمت على درجات مدخلها. وعمدت الشرطة مراراً إلى إغلاق الشوارع المحيطة بالنقابة وعزل المنطقة، لكنها امتنعت عن دخول المبنى الذي يستوجب، حسب القانون المصري، استصدار أمر من النائب العام وحضور نقيب الصحفيين. وفي خطوة تتماشى مع تدابير السيسي التي باتت تتخذ طابعاً أكثر عنفاً بحق الإعلام وتتنافى مع العرف السابق والقانون، اقتحمت الشرطة المبنى واعتقلت بدراً والسقا. وقال شهود عيان إن عشرات من عناصر الأمن الوطني شقوا طريقهم عنوةً عبر حراس الأمن التابعين للنقابة. وقال خالد البلشي، رئيس تحرير موقع ‘البداية’ الإلكتروني ورئيس لجنة الحريات بالنقابة، إنها “المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك في تاريخ مصر”.

وقد أدت تصرفات قوات الأمن هذه إلى اعتصام الصحفيين وصدور بيان عنهم يطالب باستقالة وزير الداخلية وإطلاق سراح جميع الصحفيين السجناء. وردت الوزارة بأن أربعة من ضباط الأمن فقط دخلوا إلى مكاتب النقابة وأن بدراً والسقا سلما نفسيهما طوعاً (وزعمت السلطات أيضاً أنه كان بحوزتها أمر من النائب العام، ولكن أكد شهود عيان أن عناصر الأمن لم يُبرزوا أمراً قضائيا في ذلك الوقت). وجرى فيما بعد، ودون قصد، تسريب رسائل إلكترونية من الوزارة تضمنت توجيهات حول كيفية معالجة الأزمة، ورد فيها اقتراح بإرسال خبراء أمنيين إلى برامج حوارية في التلفزيونات “الصديقة” للترويج لرؤية الوزارة للأحداث. وجادلت إحدى تلك الرسائل بأن الوزارة “لا يمكنها التراجع عن موقفها الآن، لأن التراجع سوف يعني أن غلطة ارتُكبت، وإذا ما كانت هناك مثل هذه الغلطة، فمن الذي سيتحمل المسؤولية ومن الذي ستتم محاسبته؟”

في البداية، عبرت جميع القنوات الإعلامية تقريباً في مصر، بما في ذلك القنوات المملوكة للدولة، عن غضبها من مداهمة الشرطة للنقابة. ولكن وفي غضون أيام قليلة، بدأ الكثير من هذه القنوات ينأى بنفسه عن النقابة ويلقي باللائمة على قيادتها بسبب ما زعمت أنه تسييس وتصعيد للخلاف. وقال بعض المعلقين إن النقابة كانت تتخطى حدودها وإنها كانت تُستغل من قبل الإخوان المسلمين. ولاحقاً، وجهت السلطات اتهامات إلى كل من البلشي ونقيب الصحفيين يحيى القلاش والأمين العام للنقابة جمال عبد الرحيم، بإيواء فارين مطلوبين ونشر أخبار كاذبة لإحداث بلبلة في الرأي العام وتحريضه، وذلك بسبب قيامهم بتأمين المأوى لزملائهم والإعلان عما قامت به الشرطة من إجراءات.

ويعتقد البشلي أن الغاية من ملاحقته وزملائه قضائياً هي إضعاف النقابة التي كانت قد عبّرت عن تحفظاتها على قانون الصحافة الجديد ومارست الضغط نيابة عن الصحفيين المحتجزين، مثل شوكان، واستنكرت المداهمات والاعتقالات العقابية وحالات الاختفاء القسري لصحفيين. وقال البلشي إن “القصد هو الضغط على النقابة للحيلولة دون قيامها بدورها والدفاع عن أعضائها”.

تُعد أحكام السجن والإعدام أسوأ التهديدات التي يواجهها المراسلون، بيد أن الصحفيين المصريين الذين يحاولون إعداد تقاريرهم على نحو ناقد أو مستقل يواجهون أشكالاً أخرى من الترهيب الذي ترعاه الدولة، بما في ذلك وضعهم تحت المراقبة أو تهديدهم أو استهدافهم بحملات تشويه السمعة. كما أخذت أساليب الإبعاد والمنع من السفر تزداد شيوعاً، إذ قد يكتشف الصحفيون المحليون في المطار أنهم ممنوعون من السفر، بينما زادت احتمالات تعرض الصحفيين الأجانب للاعتقال لدى دخولهم البلد، أو الترحيل على نحو غير متوقع إلى خارج البلد.

وفي 27 يونيو/ حزيران 2016، اعتُقلت مذيعة التلفزيون ليليان داوود في منزلها بالقاهرة. وكانت داوود، التي تحمل الجنسيتين البريطانية واللبنانية، تقدم البرنامج الحواري “الصورة الكاملة” على قناة ‘أون تي في’ التلفزيونية التي تعد واحدة من المنابر القليلة الباقية في الإعلام المصري حيث يمكن للمرء أن يسمع نقاشات تنتقد مسؤولي الحكومة وسياساتها. وكان تعاقد داوود مع القناة قد أُنهي في وقت سابق من اليوم نفسه الذي اعتُقلت فيه.

وقال عناصر الشرطة الذين دخلوا منزلها وطلبوا منها أن تأتي معهم فوراً إن لديهم أوامر مباشرة من وزارة الداخلية ومن “مكتب الرئيس”، وفقاً لما ذكرته داوود لاحقاً للمراسلين. ولم توجه السلطات أية اتهامات للمذيعة. وبما أن داوود هي أم لطفلة مصرية (فزوجها السابق مصري) فمن حقها قانوناً أن تقيم في مصر، لكنها أبلغت صحيفة ‘نيويورك تايمز’ أنها تعرضت للتهديد بالترحيل عدة مرات خلال السنة الماضية وأن السلطات رفضت تجديد إقامتها لدواعي أمنية. وأضافت بأن أعضاء فريق الإنتاج العاملين في برنامجها تعرضوا أيضاً للتهديد بالاعتقال.

وذكر مسؤول أمني لم يُذكر اسمه لوكالة ‘أسيوشيتد برس’ في 28 يونيو/ حزيران 2016 أن داوود تجاوزت “الخطوط الحمراء” في برنامجها الذي خصصت حلقات منه للنشطاء السجناء وظروف السجن وحالات الاختفاء القسري.

وقالت داوود لقناة ‘مصر لايف‘، “على الرغم من الظروف الصعبة التي كنا نعمل فيها في السنوات الخمس الأخيرة، لكننا لم نتخيل أبداً أن ينزل سقف الحريات إلى هذه الدرجة التي نزل إليها اليوم”.

وقالت لميس الحديدي، وهي مذيعة تلفزيون مؤيدة صراحة لكل من الرئيس السابق حسني مبارك والرئيس السيسي، مباشرة على الهواء إنه عند النظر في قضية داوود ووقائع أخرى من ترهيب الصحفيين “نشعر بالقلق الشديد. هل هذه علامات؟ هل هي إشارات؟ هل المفترض بنا أن نتوقف عن الكلام؟ أن نبقى ساكتين؟”

***

نظراً للتأييد الشعبي المعلن والواسع للجيش والسيسي عقب الإطاحة بالإخوان المسلمين عام 2013، أعرب الكثير من المراقبين عن استغرابهم من حجم القمع الذي استهدف الصحفيين، ومدى الجدية التي انتهجتها المصالح الموالية للحكومة لإحكام قبضتها على الميدان الإعلامي واحتكاره.

ومؤخراً، قرر صاحب القناة التلفزيونية التي كانت داوود تعمل بها، رجل الأعمال نجيب ساويريس، بيع القناة إلى أحمد أبو هشيمة، وهو أحد أقطاب تجارة الحديد وأحد مؤيدي السيسي ومن المتبرعين الرئيسيين لصندوق تحيا مصر. وعندما زار السيسي مدينة نيويورك في سبتمبر/ أيلول 2015، ذُكر أن ‘أبو هشيمة’ كان الممول الرئيسي لحملة إعلامية مؤيدة لمصر تضمنت إعلانات في صحيفة ‘وول ستريت جورنال’ وتعليق لوحات إعلان في ميدان تايمز سكوير في وسط مدينة نيويورك. ويمتلك أبو هشيمة أيضاً حصة الأكثرية في صحيفة ‘اليوم السابع’، ويُقال إنه يخطط لعمليات شراء أخرى في الوسط الإعلامي، طبقاً لما أوردته تقارير إعلامية عديدة.

يُعتبر السوق الإعلامي في مصر سوقاً شديد التركيز، وبحسب وثائق موقع ‘مدى مصر‘ الإخباري المستقل، يرتبط رجال الأعمال الذين يمتلكون أكبر ثماني قنوات تلفزيونية في البلاد بعلاقات قوية مع الحكومة. وأغلب هؤلاء مانحون كبار لصندوق تحيا مصر.

ويدرك رجال الأعمال أن من مصلحتهم التعبير عن التأييد للسيسي وموالاته. ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، قامت وحدة شرطة مدججة بالسلاح يرتدي عناصرها أقنعة بسحب صلاح دياب، صاحب صحيفة ‘المصري اليوم’، من سريره والقبض عليه بتهمة حيازة أسلحة نارية غير مرخصة. والتُقطت صور لدياب مقيداً بالكلبشات، وقد التقط هذه الصور مصور تابع لصحيفة ‘اليوم السابع’، وهي صحيفة شعبية يمتلكها أبو هشيمة وعادة ما تحصل على السبق الصحفي استناداً إلى معلومات سرية أمنية تُعطى لها.

وقد تساءل المراقبون ما إذا كان سبب المداهمة عائد إلى تغطية صحيفة ‘المصري اليوم’ أو كلام مزعج علّق به دياب على السيسي. من جانبه، رجّح مالك الصحيفة التخمين الثاني؛ إذ نشر عموداً إثر الإفراج عنه أعرب فيه عن قلقه من أن شيئاً ما قد أضر بعلاقته مع الرئيس – “كلمة صدرت عني” – مصراً على أنه لم يقصد الانتقاد وأنه يحب الرئيس “مثل ملايين المصريين الأوفياء”.

في السنوات الأخيرة، انقطع معظم كُتاب الأعمدة ومذيعي التلفزيون ممن يتمتعون باحترام واسع والذين تصدروا برامج حوارية سياسية مؤثرة في السنوات التي أعقبت ثورة عام 2011، عن كتابة أعمدتهم أو إعداد برامجهم، أو أن السلطات ألغتها تماماً. أما الأجهزة الأمنية فقد ذهبت إلى ما هو أبعد من إدراج صحفيين وضيوف معينين على القائمة السوداء، فقد باتت حالياً تضغط بصفة روتينية على مالكي المؤسسات الإعلامية وتسرِّب المعلومات – بما في ذلك تسجيلات لمكالمات هاتفية شخصية – في معرِض استهدافها للناشطين والصحفيين.

وقد جاء في تقرير استقصائي أعده الناشط والصحفي حسام بهجت، أن ضباطاً من دائرة المخابرات العامة المصرية كتبوا أعمدة بأسماء مستعارة في الصحف المصرية وأداروا شركات كانت عبارة عن واجهة إعلامية تمتلك مواقع إخبارية وتنتج برامج تلفزيونية. وقد اعتقل بهجت منذ ذلك الحين واستُجوب بشأن تقارير كتبها عن الجيش وتجري محاكمته اليوم على خلفية اتهامات تتعلق بمنظمة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي منظمة غير حكومية أسسها بهجت.

عادة ما تكون وسائل الإعلام الرسمية أو الخاصة التي يديرها رجال أعمال، والمتلهفة للتزلف للرئاسة، أو تلك المؤيدة لأجهزة الأمن، أول من ينبري لمهاجمة المؤسسات الإعلامية الأخرى والصحفيين الآخرين إذا ما نشر هؤلاء انتقادات للحكومة. وقالت شهيرة أمين إن “حملات تشويه السمعة بلغت أسوأ مستوياتها على الإطلاق. فإذا كنت من منتقدي الحكومة، فسيتم اتهامك بأنك جاسوس وخائن”. وقد اتُهمت أمين من قبل مؤسسات إعلامية مصرية مقربة من الحكومة بأنها تروّج للمثلية الجنسية وأنها ملحدة و”صديقة لليهود”. كما اتُهمت بأنها، حسب قولها، عضو “في حكومة ظل تشكلت في برلين للإطاحة بالرئيس السيسي”.

وعندما واجهت أمين رئيس تحرير مجلة مملوكة للدولة نشرت بعضاً من تلك الإشاعات بحقها، أخبرها “حسناً، إن لم تكوني معنا فأنت ضدنا. ففي أوقات الحرب لا يوجد منطقة وسطى”، حسب قولها.

وبعد اجتماع شهيرة أمين مع مسؤولين بالاتحاد الأوروبي لمناقشة الحريات الإعلامية في مصر، وهو اجتماع تحدثت فيه أمين عن القمع الذي يتعرض له الصحفيون، رفع عليها أحد زملائها دعوى في المحكمة متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة وتشويه صورة مصر في الخارج والإضرار بمصالحها. (وقد بُرأت أمين من هذه الاتهامات في النهاية).

توضح هذه السلسلة من الأحداث كيف يجري ترهيب الإعلام في مصر وإخماد صوته واختراقه واحتواؤه وتحريضه على مهاجمة صحفيين زملاء. وقد تمكنت السلطات أيضاً من تحطيم ثقة الناس بالصحفيين من خلال التشكيك، وبإصرار لا يلين، في وطنية هؤلاء الصحفيين وإلصاق تهمة الإرهاب والتجسس بأعمالهم.

تقول نور يوسف، وهي صحفية عملت مع وكالة ‘أسيوشيتد برس’ وصحيفة ‘نيويورك تايمز’، “ينتابك شعور بأن السنوات الثلاث الماضية من الدعاية المكثفة جعلت من كل فرد من أفراد الشعب المصري عن آخرهم ضد الصحفيين. يمكنك الشعور بذلك في كل قصة – فالناس يصدقون فعلاً أنك جاسوس، والناس يخافون من التكلم، وعدوانيون. وبات من الصعب التحدث مع الناس العاديين، وليس فقط مع المسؤولين الحكوميين”.

أورسولا ليندسي تكتب عن التعليم والثقافة والإعلام والسياسة في العالم العربي.

Exit mobile version